Site icon كوش نيوز

ثقافة الإسقاط.. لماذا يسعى البعض لإطفاء الآخرين؟

في كل مرة يلمع فيها شخص في محيطنا المهني أو الاجتماعي، يبرز سلوك يثير الكثير من التساؤلات؛ حيث ينشغل البعض بتصيد الأخطاء، والتقليل من الإنجازات، والبحث عن مبررات لنجاح الآخر، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى محاولة عرقلة مساره أو إسقاطه. وهنا يبرز سؤال جوهري يستحق التوقف عنده: لماذا يبذل بعض الأشخاص كل هذه الطاقة في محاولة إطفاء الآخرين، بدلًا من توجيهها نحو تطوير أنفسهم وصناعة نجاحهم الخاص؟ قد يبدو هذا السلوك في ظاهره مجرد منافسة، أو حتى نقد مشروع، لكن الفارق الجوهري كبير بين «النقد البنّاء» الذي يهدف إلى التصحيح والتطوير، و«الإسقاط» الذي يتحول إلى محاولة ممنهجة لتقليل قيمة الآخر أو التشكيك في إنجازه؛ فالأول يفتح مساحات للتطوير، بينما الثاني يعطل الآخر دون أن يفتح لصاحبه أي باب جديد.

والحقيقة التي نحتاج إلى تذكير أنفسنا بها دائمًا هي أن نجاح الآخرين لا ينتقص من رصيدنا شيئًا، وتفوقهم لا يعني بالضرورة تراجعنا؛ فالإنسان الواعي يدرك أن الحياة ليست سباقًا لا يتسع إلا لفائز واحد، والفرص ليست مادة محدودة بحيث يصبح نجاح شخص خسارة حتمية لشخص آخر. إن المشكلة في جوهرها ليست في نجاح الآخر، بل في نظرتنا نحن لمفهوم النجاح وموقعنا منه، وتزداد هذه المسألة حساسيتها في بيئات العمل؛ لأن أثرها لا يتوقف عند الأفراد، بل يمتد ليلوث البيئة بأكملها. فعندما يحقق أحد أفراد الفريق إنجازًا مميزًا، فإن البيئة الصحية تتعامل مع هذا النجاح بوصفه فرصة لتبادل الخبرات ورفع مستوى الأداء الجماعي، أما حين يصبح النجاح سببًا للغيرة أو التقليل، فإن المؤسسة تخسر ثقافة المبادرة والتميز برمتها، إذ إن البيئة التي تجعل الإنسان يخشى إظهار تميزه هي بيئة تدفع أصحاب الأفق الصائب إلى الصمت، وأصحاب المبادرات إلى التردد خشية النقد أو الاستهداف.
من هذا المنطلق، نجد أننا كمجتمع بحاجة ماسة دائمًا إلى إعادة صياغة ثقافتنا تجاه النجاح والمنافسة، وتوريث هذا المفهوم لأبنائنا في المدارس والبيوت؛ فالأمم الحية هي تلك التي تتضافر فيها الجهود وتتكامل فيها النجاحات، لا تلك التي يتصارع أفرادها لإسقاط بعضهم بعضًا، فنجاح المعلم لا يلغي دور زميله، وتميز رائد الأعمال لا يعني اختناق السوق. وإن التغيير يبدأ حقًا من تغيير الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا؛ فماذا لو استبدلنا سؤال: «كيف أوقفه أو أقلل من شأنه؟» بسؤال: «كيف أتفوق على نفسي التي كنت عليها بالأمس؟». ومن هنا تحديدًا تنبع مسؤوليتنا التربوية في إعادة صياغة مفهوم المنافسة الذي نزرعه في نفوس الناشئة؛ فهل نربي أبناءنا على أن نجاح زميلهم تهديد لمكانتهم، أم نعلمهم أن التميز فرصة للتعلم والتكامل؟

تتجلى خطورة هذا المسار حين نربط قيمة الطفل باستمرار بدرجات زملائه ومقارنته بهم؛ حيث نزرع فيه دون قصد أن التفوق مساحة محدودة لا تتسع للجميع، فيكبر وهو يعتقد أن قيمته لا تتحقق إلا بأن يكون «أفضل من غيره»، لا بأن يكون «أفضل من نفسه». وفي المقابل، نجد أن التربية الواعية تُعلّم الطفل أن المنافسة الحقيقية تكمن في تجاوز حدوده السابقة، وأن الفرح بنجاح الآخرين واستلهام تجاربهم لا يقلل إطلاقًا من قيمته الذاتية.

ختامًا، لابد أن ندرك جميعًا أن نجاح الآخرين ليس خصمًا من رصيدنا، وتميزهم لن يؤثر علينا ولن يقلل من قيمتنا؛ فالفرص في هذه الحياة تتسع للجميع، والمجتمع بحاجة إلى كل الطاقات المبدعة لتتكامل لا لتتصارع. ويبقى الاستغراق في مراقبة من سبقونا أو محاولة إطفاء شمعة متألقة مجرد هدر مجاني للزمن؛ فمن ينشغل برصد الآخرين محاولًا تعطيلهم، سيصحو متأخرًا ليجد أنه أضاع عمره في العتمة دون أن يضيء شمعته الخاصة. فالانتصار الحقيقي والوحيد الذي يستحق أن نخوض معركته، هو أن نركز جهودنا على أن نكون اليوم أفضل مما كنا عليه بالأمس، متوكلين على الله، ومتمنين للآخرين النجاح، وموقنين بأن الفضاء يتسع لكل الأنوار.

ندى الكربي – الشرق القطرية

Exit mobile version