تعريف الدِّين والفرق بينه وبين التَّديُّن، مع بيان أنواع التَّديُّن
الدِّينُ هو ما أنزله الله للنَّاس من كتبٍ هادية للتي هي أقوم، ومن شعائر تعبُّديَّة بالوحي على رسله المؤيَّدين بالمعجزات، والذين قاموا بالإبلاغ والبيان، من أوَّلهم على يد آدم، ثم نوح إلى أنْ ختم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعلى سائر الرُّسُل والأنبياء قبله.
وقد تناقلت الأجيال تلك الرِّسالات بطرقهم المختلفة التي تخضع في ثبوتها إلى اطمئنان كلِّ مؤمن في قلبه.
أمَّا التَّديُّنُ فهو صورة فقه المؤمن لما ثبت عنده من دِين الله الذي أنزله على رسله، وهذا هو التَّديُّن الحميد؛ لقيامه على براءة القلب فيما وَقَر فيه من دِين وفقه.
فإنْ انحرف المُتديِّن عمَّا وَقَر في قلبه لغير ضرورة مُلْجئة كان تديُّنه ذميمًا؛ لظلمه نفسَه، وإطفائه نورَ الله في قلبه.
وبذلك يكون الدِّين حقًّا لله وحده دون أحدٍ سواه، ولا يوصفُ إلَّا بالكمال والعصمة والقدسيَّة.
أمَّا التَّديُّن فهو حقٌّ للنَاس آحادًا، كلُّ مُكلَّفٍ بفقهه مع نفسه تجاه الله تعالى رأسيًّا بالنِّيَّة، وليس تجاه أحدٍ من النَّاس، وهو نوعان، فمنه الحميد، ومنه الذَّميم.
فضل التَّديُّن، وبيان عدد المتديِّنين
التَّديُّنُ الحميد تاجُ صفات الكمال للإنسان الرَّشيد في فكره، والمستقيم في معاملاته؛ لأنَّ صاحب الفكر الرَّشيد، والتَّعامل المستقيم قد أحسن الوفاء بحقوق العباد، فإذا جمع مع هذا الوفاء التزامه بحقوق الله تعالى في صورة تديُّنه الذي يطمئنُّ إليه قلبه، وتستريح إليه نفسه فقد تحلَّى بتاج المكارم والصِّفات الحميدة التي لا ينقصها سوى الدَّوام؛ حتَّى يلقى الله تعالى.
وإذا كان التَّديُّن هو صورة فقه دِين الله عند المُتديِّن فإنَّ فقه دِين الله مُتعدِّد بعدد المتديِّنين؛ لأنَّ خطاب الله تعالى بدينه متوجِّه إلى كلِّ إنسانٍ بلغ سنَّ التكليف استقلالًا دون واسطة، سوى واسطة الإبلاغ، على مسؤوليَّة المُبلِّغ في عمليَّة التَّبليغ بالأمانة، وعلى مسؤوليَّة المُتلقِّي في الإيمان بما وقر في قلبه ثبوته، وفي الامتثال إسلامًا بما اطمأنَّت إليه نفسه تفسيرًا وتأويلًا على قدر رزقه من العلم والفقه.
وإذا قلنا إنَّ الشَّعب المصري مُتديِّنٌ، وهذا حقٌّ، فإنَّ كلَّ مواطنٍ مصريٍّ – رَجُلًا كان أو امراةً – له بصمته الدِّينيَّة الخاصَّة به، وهي صورة تديُّنه التي تُميِّزه عن غيره، والتي سيجادل عنها يوم القيامة بنفسه استقلالًا؛ حتَّى وإنْ توافق في الدُّنيا مع نمطٍ تديُّنيٍّ مُعيَّن، كالمنتمين لإحدى الطُرق الصُّوفيَّة ذات النَّمط التَّديُّني الموحَّد بأخذ العهد، أو كالمُنتسبين لإحدى الجماعات الموصوفة بالإسلاميَّة ذات الشَّكل التَّديُّني الموحَّد بأخذ البيعة.
تعريف التَّبتُّلُ وبيان شروط تحقُّقه في التَّديُّن الشَّرعي
التَّبتُّل هو الانقطاع عن الآخرين، بمعنى الاستقلال والتَّفرُّغ لإدارة شؤون النَّفس، وقد ورد الأمرُ به عند التَّديُّن في قوله تعالى: “واذكر اسم ربِّك وتبتَّل إليه تبتيلًا” (المزَّمل: 8).
ولم يرد لفظ التَّبتُّل في القرآن الكريم إلَّا في هذا الموضع من سورة المزَّمل، وفي تلك المناسبة الخاصَّة بالتَّديُّن أو التَّعبُّد لله تعالى، فكان التَّبتُّل شرطًا حاكمًا لقبول التَّعبُّد له سبحانه، وصفةً كاشفةً للتَّديُّن الشَّرعي الحميد.
ويتحقَّق التَّبتُّل في التَّديُّن الشَّرعي عند استقلال المُتديِّن في إيمانه، وفي فقه دِينه، وفي نيَّته، وفي إخلاصه لله.
أمَّا استقلال المُتديِّن في إيمانه فعندما يختصُّ تصديقه بما وَقَر في قلبه ممَّا بلغه عن الله تعالى؛ حتَّى لا يكونَ مشركًا.
وأمَّا استقلال المُتديِّن في فقه دينه فعندما يختاره بمعيارما يَطمئنُّ إليه قلبه الحاكم على فقه الفقهاء عنده؛ حتَّى لا يُنافقَ نفسه.
وأمَّا استقلال المُتديِّن في نيَّته فعندما يستحضرها عن نفسه على رأس ما يتعبَّد به لله تعالى؛ حتَّى يُثبتَ لنفسه التَّديُّن، كما أخرج الشيخان من حديث عمر بن الخطاب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكل امرىءٍ ما نوى”.
وأمَّا استقلال المُتديِّن في إخلاصه فعندما يريدُ وجه الله تعالى دون غيره، ويسعى إلى ذلك بخلوته في تديُّنه إلى الله تعالى، ولا يعمد إلى مواطن أعين النَّاظرين النَّاقدين ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ حتَّى يَطمع في رجاء القبول، كما قال تعالى: “وما أمروا إلَّا ليعبدوا الله مخلصين له الدِّين حنفاء” (البينة: 5).
وأخرج البخاري عن أبي هريرة، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه”، وذكر السَّادس بقوله: “وَرَجُلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتَّى لا تعلم شِماله ما تُنْفق يمينه”، وفي رواية مسلم: “حتَّى لا تعلم يمينه ما تُنفقُ شماله”.
الرِّياء بالاستعراض من صفات التَّديُّن غير الشَّرعي الذَّميم
الرِّياء مشتق من الرُّؤية، وهو في التَّديُّن ضد الاخلاص، فيعمد المُرائي إلى استعراض صورة تديُّنه إلى النَّاظرين النَّاقدين ليتحاكوا عن ممارسته التَّديُّن.
وقد يُزيِّنُ الشَّيطانُ هذا الاستعراض التَّديُّني بزعم نشر العبادة، والدَّعوة إليها؛ لإفساد التَّديُّن الشَّرعي الحميد القائم على الإخلاص لله تعالى دون غيره، وإقامة تَديُّنٍ غير شرعيٍّ ذميم، يقوم على الشِّرك بالله، والعياذ به سبحانه.
لقد حذَّرنا الله تعالى ورسوله من هذا الشِّرك الخفي الذي يحتال به الشَّيطان على المتديِّنين؛ فقال تعالى: “وما يؤمن أكثرهم بالله إلَّا وهم مشركون” (يوسف: 106).
وأخرج ابن ماجه والطبراني والحاكم، عن معاذ بن جبل، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ يسير الرِّياء شِرْك”.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث القدسي: “قال الله عزَّ وجلَّ: أنا خيرُ الشُّركاء، مَنْ عمل لي عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه برىءٌ، وهو للذي أشرك”.
وأخرج مسلم عن أبي هريرة، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَ أوَّل الناس يُقضى يوم القيامة عليه: رَجُلٌ استُشهد، فأُتِيَ به، فعرَّفه نِعَمه، فَعَرفَها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتَّى استُشهدتُ، قال: كذبتَ، ولكنَّك قاتلتَ لأنْ يُقال: جريءٌ، فقد قيل، ثمَّ أُمِر به فسُحِب على وجهه حتَّى أُلْقيَ في النَّار.
وَرَجُلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتيَ به فَعَرَّفه نِعَمه، فَعَرفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنَّك تعلَّمتَ العلم ليُقال: عالم، وقرأتَ القرآن ليُقال: هو قارىء، فقد قيل، ثمَّ أُمِر به فسُحِب على وجهه حتَّى أُلْقيَ في النَّار.
وَرَجُلٌ وسَّعَ الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتيَ به، فَعَرَّفه نِعَمه، فَعَرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أنْ يُنفَق فيها إلَّا أنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنَّك فعلتَ ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثمَّ أُمِر به فسُحِب على وجهه، ثمَّ أُلْقيَ في النَّار”.
التَّقليد الأعمى من صفات التَّديُّن غير الشَّرعي الذَّميم
لا يقتصر التَّديُّن غير الشَّرعي الذَّميم على الرِّياء باستعراضه أمام النَّاظرين، وإنَّما يشمل أيضًا التَّديُّن بالتَّقليد الأعمى، الذي لا يعتمدُ فيه صاحبه على قلبه إيمانًا وفقهًا، كما قال تعالى: “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه” (الإسراء: 13)، وقال تعالى: “بل الإنسان على نفسه بصيرة” (القيامة: 14).
وأخرج عبد الملك بن بشْران ت430هـ في “الأمالي”، عن أنس بن مالك، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليس الإيمانُ بالتَّمنِّي، ولا بالتَّحلِّي، لكنْ ما وَقَر في القلب، وصدَّقه الفعل”.
وأخرج الترمذي عن حذيفة بن اليمان، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تكونوا إمَّعةً، تقولون: إنْ أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإنْ ظلموا ظلمنا، ولكنْ وطِّنوا أنفسكم، إنْ أحسَنَ النَّاسُ أنْ تُحسنوا، وإنْ أساؤوا فلا تظلموا”.
الانتماء لإحدى الطُّرق، أو الانتساب لإحدى الجماعات لنْ يغني من الله شيئًا
إنَّ الانتماء لطريقة موصوفة بالصُّوفيَّة – تأخذ العهد على المريد بالسَّمع والطَّاعة لشيخه – أو الانتساب لجماعة موصوفة بالإسلاميَّة – تأخذ البيعة من المنتسب بالسَّمع والطَّاعة لزعيمها – لن يُغني المتديِّن من الله تعالى شيئًا؛ كما قال تعالى: “يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذٍ لله” (الانفطار: 19).
جماعة المسلمين جماعة شعبية، وليست جماعة تنظيميَّة
لقد ورد مصطلح “جماعة المسلمين” فيما أخرجه الشيخان من حديث حذيفة بن اليمان، الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نصيحته إنْ أدرك – حذيفة – الدُّعاة إلى أبواب جهنَّم، وهم من جِلدتنا،ويتكلَّمون بألسنتنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “عليك بجماعة المسلمين وإمامهم”، قال حذيفة: فإنْ لم يكن لهم جماعة، ولا إمامٌ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “فاعتزل تلك الفرق كلِّها، ولو أنْ تعضَّ بأصل شجرة حتَّى يُدركك الموتُ، وأنت على ذلك”.
ويدلُّ سياق هذا الحديث – الرَّافض لكلِّ الفرق الموصوفة بالدِّينيَّة – على تفسير “جماعة المسلمين” بالجماعة الشعبيَّة التي يكون فيها المسلم سيِّدًا على نفسه، ويكون باب التَّنافس التَّديُّني بين الجميع متاحًا، فليستْ جماعة المسلمين جماعة تنظيميَّة تقوم على السَّمع والطَّاعة لزعيم التَّنظيم الموصوف بالدِّيني الذي يمنع التَّنافس التَّديُّني بين أعضاء جماعته، فيستخدمهم جنودًا في تحصيل مكاسبه السِّياسيَّة.
ولذلك أمر الله تعالى خاتم رسله باتِّباع ملَّة إبراهيم، يعني طريقته في التَّديُّن، بعد إخباره بأنَّ إبراهيم كان أمَّة، يعني مستقلًّا في تديُّنه كالأمَّة؛ فقال تعالى: “إن إبراهيم كان أمَّة قانتا لله حنيفًا ولم يك من المشركين” (النحل: 120)، ثمَّ قال تعالى: “ثم أوحينا إليك أن اتَّبع ملَّة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين” (النحل: 123)”.
كما زكَّى الله تعالى المسلم المستقل بإسلامه في قوله تعالى: “ومن أحسن قولًا ممَّن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنَّني من المسلمين” (فصلت: 33)، يعني من آحاد المسلمين المتنافسين بتديُّنهم لله تعالى، وليس من جنود المسلمين الموظَّفين لصالح مُدَّعي الزَّعامة الدِّينيَّة عليهم.
تنشئة الرسول أصحابه على الاستقلاليَّة للتَّنافس في التَّديُّن الفردي
يؤكِّد دلالة اصطلاح “جماعة المسلمين” على الجماعة الشَّعبية، وليس الجماعة التَّنظيميَّة: تنشئة الرَّسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على الاستقلاليَّة للتَّنافس في التَّديِّن الفردي، وذلك كما قال لواثلة بن الأسقع فيما أخرجه أبو يَعْلى: “لِتُفتِك نفسُك”، وقال لوابصة بن مَعْبِد فيما أخرجه أحمد: “استفتِ قلبك استفتِ نفسك، البرُّ ما اطمأنَّ إليه القلب واطمأنَّتْ إليه النَّفس، والإثمُ ما حاك في النَّفس وتردَّد في الصَّدر، وإنْ أفتاك النَّاسُ وأفتوك”، وقال لأبي ثعلبة الخشني فيما أخرجه أحمد: “البرُّ ما سكنتْ إليه النَّفس واطمأنَّ إليه القلبُ، والإثمُ ما لم تسكن إليه النَّفس ولم يطمئنُّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون”؛ حتَّى قال أبو إسحاق الشَّاطبي ت790هـ-1388م في كتابه “الموافقات”: “كلُّ أحد فقيه نفسه”.
والحكمة من تنشئة المسلم المستقل بإسلامه: تمكينه من اتِّخاذ القرار الذي يراه مناسبًا، بحسب مقتضيات وضعه الشعبي أو الإنساني في أي مجتمع يعيش فيه، دون تعليق اتِّخاذ قراره على استفتاء شيخ طريقته، أو زعيم جماعته.
وبذلك يتمكَّن المسلم من الاندماج الشَّعبي، والتَّعايش السِّلمي أينما كان موطنه من الأرض بسيادة الدَّساتير والقوانين والعقود والأعراف التي هو جزءٌ منها، وليس بسيادة فتوى الزَّعيم الموصوف بالدِّيني الذي يدَّعي السِّيادة عليه؛ لاختطاف رشده.
انفراد المُتديِّن بالدِّفاع عن اختياره، وفرار عزوته منه
إنَّ كلَّ مُتديِّنٍ – مهما كانت صورة تديُّنه، ولو بالكُفْر – سيجد نفسه يوم القيامة منفردًا بين يدي الله تعالى، كما قال تعالى: “وكلُّهم آتيه يوم القيامة فردًا” (مريم: 95)، ويجد نفسه وحيدًا في الدِّفاع عن اختياره لفقه دين الله تعالى دون حضور شيخ طريقته، أو زعيم جماعته؛ لأنَّ كلَّ إنسان سيكون مشغولًا بحال سبيله، دون عزوته التي كان يستقوى بها في الدنيا، كما قال تعالى: “يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفَّى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون” (النحل: 111).
حتَّى إنَّ المرءَ سيفرُّ من أخيه، وأمِّه وأبيه، وزوجه أو زوجته، وأبنائه وبناته، ناهيك عن شيخ طريقته، أو زعيم جماعته؛ كما قال تعالى: “فإذا جاءت الصاخة. يوم يفر المرء من أخيه. وأمِّه وأبيه. وصاحبته وبنيه. لكل امرىءٍ منهم يومئذ شأن يغنيه” (عبس: 33-37).
وإذا كان هذا الفرار بين قرابة الدَّرجات الأولى، وبين الزَّوجين المتحابَّين عند الحساب يوم القيامة؛ لتأكيد استقلاليَّة التَّديُّن وفرديَّته، فما بال الفرار بين مَنْ لا تربطهم تلك الأواصر الحميميَّة، كزعماء الطُّرُق والجماعات الموصوفة بالدِّينيَّة مع أتباعهم، بالتَّأكيد سيكون الفرار بينهم آكد، ويزيدُ عليه إعلانُ ندم الأتباع من تبعيَّتهم في فقه دينهم، وأُنَّه لو عاد بهم الزَّمن إلى الدُّنيا من جديد لأعلنوا تبرُّءَهم من زعمائهم الذين استغلُّوهم باسم الدِّين في عزوتهم ومكاسبهم، كما قال تعالى: “إذ تبرَّأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطَّعت بهم الأسباب. وقال الذين اتَّبعوا لو أنَّ لنا كرَّةً فنتبرَّأ منهم كما تبرَّؤوا منَّا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ما هم بخارجين من النَّار” (البقرة: 166-167).
المشاغبة لادِّعاء الإمامة في الآخرة
قد يُشاغب شيوخُ الطُّرق، وزعماء الجماعات الموصوفة بالإسلاميَّة؛ سعيًا إلى تجنيد المريدين والأتباع بقوله تعالى: “يوم ندعو كلَّ أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يُظلمون فتيلًا” (الإسراء: 71)، فيوهمون أتباعهم في الدُّنيا بأنَّهم سيكونون لهم سندًا يوم القيامة، فبوصفهم أئمَّة سيتمُّ النِّداء عليهم؛ ليقوم كلُّ إمامٍ بالمحاجة عن أتباعه، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.
ولا يخفى على عاقلٍ بطلان هذا التَّأويل وظلم أصحابه بتحريفهم الكَلِم عن موضعه عمدًا؛ لأنَّهم يعلمون من سياق الآية الكريمة أنَّها تتكلَّم عن كتاب أعمال كلِّ إنسان، فالإمام الذي يُدعى به الإنسان يوم القيامة هو كتاب أعماله، كما اختاره ابن كثير في “تفسيره”، وقيل: إنَّ الإمام الذي يُدعى به الإنسان يوم القيامة هو الكتاب الذي أنزله الله على كلِّ أمَّة، أو هو الرَّسول الذي أرسله الله إلى كلِّ أمَّة، وليس هو شيخ الطَّريقة أو زعيم الجماعة.
مسؤوليَّة الدَّولة في حماية سيادة المواطنين التَّدينيَّة على أنفسهم
الدولة أمام شعبها كالقاضي بين الخصوم في الحيدة والنَّزاهة والعدل، وبذلك فإنَّ الدَّولة تقف على مسافة واحدة من اختيارات مواطنيها الدِّينيَّة والفقهيَّة، وتلتزم بحماية مواطنيها من تغوُّل أحدٍ على أحد في اختياره الدِّيني والفقهي، وعليها تنظيم ممارسة الشَّعائر الدِّينيَّة للجميع، بما يمنع الفتن بينهم، ولو كان هذا التَّنظيم بتحديد محلِّ إقامة الشَّعائر، وتجريم تجاوزه.
وقد أحسن الدستور المصري – الصَّادر سنة 2014م في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013م التي أسقطت حكم الإخوان حاملي راية الإسلام السياسي المتاجر بالدِّين – بتنظيم الحقوق والحريَّات، ومنها ما يتعلق بالعقيدة والشَّعائر الدِّينيَّة على الوجه الذي يحدِّده القانون؛ لمنع التَّعارض والفتن، ومن ذلك ما تنص عليه المادة رقم (64) على أنَّ: “حرية العقيدة مطلقة. وحرية ممارسة الشَّعائر الدِّينيَّة، وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السَّماويَّة حقٌّ ينظمه القانون”.
والمادة رقم (65) التي تنص على أنَّ: “حريَّة الفكر والرَّي مكفولة، ولكلِّ إنسان حقُّ التَّعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتَّصوير، أو غير ذلك من وسائل التَّعبير والنَّشر”.
والمادة رقم (73) التي تنص على أنَّ: “للمواطنين حقُّ تنظيم الاجتماعات العامَّة، والمواكب والتَّظاهرات، وجميع أشكال الاحتجاجات السِّلْميَّة، غير حاملين سلاحًا من أي نوع، بإخطار على النَّحو الذي ينظمه القانون”.
والمادة رقم (92) التي تنص على أنَّ: “الحقوق والحريَّات اللَّصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلًا ولا انتقاصًا. ولا يجوز لأيِّ قانون يُنظِّم ممارسة الحقوق والحريَّات أنْ يُقيدها بما يمس أصلها وجوهرها”.
الحاجة إلى صحوة ثقافيَّة فقهيَّة رشيدة
لم يتوقع تيَّار الإسلام السِّياسي بقيادة جماعة الإخوان المسلمين الإرهابيَّة أنْ يكتب الله تعالى للشَّعب المصري الطَّيِّب الانتصار عليهم، باسترداد حكمه الذي اختطفوه في 30 يونيو 2013م، وكشفه لخيانتهم، وتآمرهم، ومتاجرتهم بالدِّين.
فقرَّر هؤلاء الخونة المتآمرين الانتقام من الشَّعب المصري بإهلاكه وتخريب بيوته ومؤسَّساته عن طريق بثِّ الإشاعات الكاذبة؛ لنشر الإحباط واليأس والحطِّ من صحوة الإعمار والتَّنمية، وكذلك عن طريق المزايدات الدِّينيَّة والإلحادية في وقت واحد؛ لإحداث البلبة والفتنة وإثارة الصَّخب.
ومن هنا، تشتدُّ الحاجة إلى مزيد من الوعي الثَّقافي والفقهي في الصفوف الشَّعبية المصريَّة الباسلة الرَشيدة؛ لمواجهة تلك الحرب النَّفسيَّة الخسيسة، التي هي حيلة الخونة والمنافقين وأصحاب القلوب المريضة، كما أمر الله تعالى في قوله: “لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينَّك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلَّا قليلًا. ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقُتِّلوا تقتيلًا. سُنَّة الله في الذين خلو من قبل ولن تجد لسنَّة الله تبديلًا” (الأحزاب: 60-62).
سلاح التَّديُّن الذَّميم في العمليات النفسيَّة
إذا كان الشَّيطانُ هو أوَّل المبتكرين للتَّديُّن الذَّميم القائم على الرِّياء والتَّقليد بالسَّمع والطَّاعة العمياوين؛ لإفساد التَّديُّن الشَّرعي الحميد، فإنَّ الإسلام السِّياسي برأس حربه اليوم من الإخوان الإرهابيين قد تفوَّقوا على الشَّيطان بتطوير استغلال هذا السِّلاح في العمليات النَّفسيَّة المفتنة.
لقد كان منتهى حلم الشَّيطان من ابتكاره للتَّديُّن الذَّميم هو إفساد التَّديُّن الحميد على المتديِّنين، فلمَّا ابتُلينا بإخوان الإسلام السِّياسي صار التَّديُّن الذَّميم بالرِّياء والتَّقليد هو الأصل الذي يعتمدونه، وصار التَّديُّن الشَّرعي الحميد بالخصوصيَّة واستفتاء القلب هو الشَّاذ الذي يُنكرونه، ويتَّهمون أصحابه بإضاعة الدِّين، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.
وقد ترتَّب على قلب حقيقة التَّديُّن من الإخلاص لله باستفتاء القلب إلى الرِّياء والسُّمعة والتَّبعيَّة لإحدى جماعات الإسلام السِّياسي – بكلِّ أسف – شيوع التَّديُّن الذَّميم بالشَّكليَّة، وباستعراض صور مقيمي شعائر الصلاة والحج والعمرة وإخراج الصَّدقة، وبالمزايدة على المتديِّنين باللِّحية والنِّقاب وحلقات الذِّكر والزِّيِّ الموصوف بالدِّيني والألقاب الموصوفة بالدِّينيَّة، وبالخضوع نفاقًا لفتاوى الذين فرضوا أنفسهم أوصياء على الدِّين وفقهه.
التَّصعيد في مظاهر التَّديُّن الذَّميم
كانت البداية من الشَّيطان بإغواء المُتديِّن بالرِّياء والتَّقليد الأعمى؛ لإفساد تديُّنه المستور، ثمَّ طوَّر الإسلام السِّياسي هذا الإغواء إلى إنكار التَّديُّن المستور الذي يكون بين العبد وربِّه، وتعظيم التَّديُّن المُرائي باستعراض المناسك والشَّعائر، والتَّديُّن الإمَّعي بالتَّبعيَّة لفتاوى الأوصياء.
ثمَّ ازداد الأمر تصعيدًا وتعقيدًا بعد انتقال الاستعراض من المناسك والشَّعائر الدِّينيَّة إلى المظاهر الثقافيَّة المتوارثة المعبِّرة براياتها وملصقاتها عن القوَّة العدديَّة للتَّنظيمات الطَّائفيَّة والفرقيَّة والمذهبيَّة، ومن ذلك ما يلي:
(1) حشد المليونيَّات البشريَّة في مَسِيرات أو ساحات أو مواقع الكترونيَّة افتراضيَّة تحت غطاء إحياء مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إحياء مولد السَّيِّدة العذراء، عليها السَّلام، أو إحياء مولد أحد الممنوحين لقب “الولِيّ” أو لقب “القدِّيس” الذي تعظمه الطَّائفة المحتفية.
(2) حشد المليونيَّات البشريَّة في تشييع جنازة أحد قيادات الجماعات الموصوفة بالدِّينيَّة.
(3) لصق صور لقيادات ذات هُويَّة لتنظيمات موصوفة بالدِّينيَّة على الحافلات والسَّيارات وفي الأماكن العامَة.
(4) طبع صور على الملابس والسَّيارات، وعبارات موصوفة بالدِّينيَّة تخدم إحدى تيَّارات الإسلام السِّياسي.
(5) إقامة الصلاة في الأماكن التي نهينا عن الصلاة فيها، كقارعة الطَّريق، والأرض المغتصبة، وفي ملك الغير دون إذنه؛ لإثارة الفتنة.
(6) الإكثار من مُكبِّرات الصوت على المآذن خارج المسجد، واستمرار عملها بعد الأذان في إقامة الصلاة وأدائها والموعظة قبلها أو بعدها، مع قول الله تعالى: “ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلًا” (الإسراء: 110).
(7) طلب التقاط الصُّور الفوتوغرافيَّة عند الصلاة، وعند الدُّعاء، وعند قراءة القرآن، وعند البكاء في العزاء، وعند الطَّواف والسَّعي، ثمَّ نشر تلك الصُّور في المواقع الالكترونيَّة.
تحذير الرأي العام من عواقب التَّصعيد بالتَّديُّن الاستعراضي والإمَّعي
قد يظنُّ البعض إمكان الانتفاع من التَّديُّن الاستعراضي بتسلية قطاعٍ كبير من الشَّعب، وإمكان الانتفاع من التَّديُّن الإمَّعي الذي يقوم على السَّمع والطَّاعة العمياوين بالسَّيطرة على الشَّعب.
وهذا الانتفاع المظنون أو ذلك في حكم الوهم بمنافع الخمر والميسر، الذي ورد فيها قوله تعالى: “يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما” (البقرة: 219).
إنَّ التَّديُّن الاستعراضي والإمَّعي تديُّنٌ مذموم شرعًا؛ للنَّهي عن الرِّياء وعن التَّقليد الأعمى، كما سبق بيانه، فلا وجه لاعتبار أيِّ منفعة فيه.
ومع ذلك، فإنَّه إذا تسلَّى البعض بالتَّديُّن الاستعراضي فإنَّ مثله عددًا وأكثر يكتُمُ سخطه منه، فهي تسلية خادعة، والقاعدة الفقهيَّة الحكيمة تقضي بأنَّ: “درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح”.
وإنَّه إذا أمكن السيطرة على قطاع من الشَّعب بالتَّديُّن الإمَّعي الذي يقوم على السَّمع والطاعة لأحد زعماء الفتوى، فإنَّ قطاعات أخرى ثانية وثالثة وأكثر ستكون إمَّعةً لزعماء الفتوى عند كلٍّ منها، وبذلك ينقسم الشَّعب طائفيًّا، ويسهل تقسيم دولته بعد حروبه الأهليَّة، والمستفيد الوحيد من تلك الطَّائفية هو العدو المتربِّص بالدَّولة.
أليس الأولى بنا نحن الشعب أنْ نصحِّح مسيرة الخطاب الدِّيني، بإحياء التَّديُّن الشَّرعي الحميد القائم على العدالة الدِّينيَّة والفقهيَّة بين أفراد الشَّعب، وعلى استرداد المُكلَّف رشده الدِّيني المختطف؛ حتَّى يحمل مسؤولية نفسه، فيستفتي قلبه ونفسه، كما أمر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد، وحتَّى يصير كلُّ أحدٍ فقيه نفسه، كما انتهى إلى ذلك الإمام أبو إسحاق الشَّاطبي الأندلسي ت790هـ-1388م في “كتابه الموافقات”.
إنَّني أرفض المطالبة بقانون يمنع التَّديُّن البدعي الآثم القائم على الرِّياء الاستعراضي، أو القائم على التَّقليد الأعمى بالسَّمع والطاعة العمياوين؛ لإيماني بأنَّ الوعي هو طريق التَّصحيح الدِّيني والفقهي.
فمطالبتي هي تمكين الشَّعب كلِّه من الثَّقافة والفقه، مع محو أميَّة الأميِّين فيه؛ لأنَّ وعي الرأي العام كفيلٌ بمواجهة حروب الجيل الرَّابع المعتمدة على الإشاعات والعمليَّات النفسيَّة الخسيسة.
كما أتمنى اتحاد الأزهر والكنيسة مع وزارة الثَّقافة في القيام بهذه المبادرة الوطنية الرَّائدة التي تُخلِّد أصحابها، كما خلَّد التَّاريخ جيل الآباء العظماء في ثورة 1919م بشعارهم الخالد: “الدين لله والوطن للجميع”، و “عاش الهلال مع الصليب” في سلام، فاختيار الدِّين وفقهه على مسؤوليَّة المتديِّن عند الله، وليست على مسؤوليَّة علماء الدِّين؛ كما قال تعالى: “ولا تكسب كلُّ نفس إلَّا عليها ولا تزر وازرة وزر أخري” (الأنعام: 164)، وقال تعالى: “فذكِّر إنَّما أنت مذكِّر. لست عليهم بمصيطر” (الغاشية: 21-22).
وبذلك تبقى مصر كنانة الله في أرضه بيتًا واحدًا موحَّدًا لكلِّ المصريِّين، وملاذًا للمستنصرين بحكمة أهلها ورشدهم الدِّيني والفقهي.
د. سعد الدين هلالي
أستاذ الفقه المقارن المتفرغ بجامعة الأزهر – بوابة روز اليوسف

