Site icon كوش نيوز

حين لا تكون الحياة محكمةً.. بل بحرًا

اعتدنا منذ طفولتنا أن نرى الحياة في صورة حكاية أخلاقية مكتملة: ينتصر فيها الطيب، ويُهزم الشرير، وينال المجتهد جائزته، ويُعاقب المخطئ في نهاية المشهد. كبرنا ونحن ننتظر من الأيام أن تؤدي دور القاضي؛ أن تعيد الحقوق إلى أصحابها، وأن تضع كل إنسان في المكان الذي يستحقه.

لكن الحياة لا تعمل دائمًا بهذه البساطة.

فقد يخطئ إنسان ولا يأتيه العقاب الذي توقعناه، وقد ينجح شخص لم يكن أنبل الناس ولا أصدقهم، وقد يتأخر صاحب الحق طويلًا بينما يتقدم غيره بخطوات ثابتة. وقد نرى القاسي محبوبًا، والمخادع ثريًا، والمتجاوز حاضرًا في الصدارة، فيما يقف الطيب في الخلف يسأل في حيرة: لماذا لم تنصفني الحياة؟

المشكلة ليست أن الشر أصبح أقوى من الخير، بل أننا أحيانًا نحمّل الحياة وظيفة لم تتعهد بها أصلًا. نتخيلها محكمة تراقب التفاصيل، وتصدر أحكامها فورًا، بينما هي في حقيقتها فضاء واسع من الأسباب والاختيارات والفرص والقدرات والظروف. لا تمنح نتائجها على أساس النوايا وحدها، ولا تمنع النجاح عمّن نختلف مع أخلاقه.

الحياة لا تسأل دائمًا: هل أنت طيب؟

إنها تسأل أيضًا: هل تعرف ماذا تريد؟ هل تمتلك المهارة؟ هل تتحمل المسؤولية؟ هل تستطيع اتخاذ القرار في الوقت المناسب؟ هل تصبر حين يتأخر الطريق؟ وهل تعرف كيف تحمي نفسك عندما يحاول الآخرون تجاوز حدودك؟

الطيبة قيمة عظيمة، لكنها ليست خطة حياة مكتملة. فالنية الحسنة لا تعوّض غياب الوعي، ونقاء القلب لا يغني عن حسن التقدير، والتسامح لا يعني السماح للآخرين بإعادة الأذى. قد يكون الإنسان كريمًا، لكنه يخسر لأنه لا يعرف كيف يقول «لا». وقد يكون مخلصًا، لكنه يُستنزف لأنه لا يضع حدودًا. وقد يكون نقي السريرة، لكنه يسلّم قراراته للآخرين ظنًّا منه أن الدفاع عن النفس يتعارض مع حسن الخلق.

وهنا يقع الالتباس المؤلم: يعتقد بعض الطيبين أن قوتهم قد تفسدهم، فيتخلون عنها حتى لا يشبهوا من آذاهم. يظنون أن الحزم قسوة، وأن المواجهة عدوان، وأن رفض الاستغلال أنانية. فيقدمون تنازلًا بعد آخر، ثم يكتشفون متأخرين أن الطيبة التي لا يحرسها الوعي قد تتحول من فضيلة إلى باب مفتوح للاستنزاف.

لكن الإنسان ليس مضطرًا إلى الاختيار بين الأخلاق والقوة.

يمكنه أن يكون محترمًا وحازمًا، رحيمًا ويقظًا، متسامحًا دون أن يسمح بتكرار الإساءة. يمكنه أن يحب الناس من غير أن يمنحهم حق العبث بحياته، وأن يساعدهم من غير أن يهدم نفسه، وأن يقول الحقيقة بتهذيب، لكنه يقولها كاملة. فالحدود ليست جدرانًا ضد المحبة، بل أبواب تحمي كرامتها.

ولعل البحر يقدم لنا الصورة الأصدق للحياة. البحر لا يسأل السابح إن كان إنسانًا صالحًا أو سيئًا؛ إنه يسأله سؤالًا واحدًا: هل تعرف السباحة؟

لا يحمل البحر كراهيةً للغريق، ولا يمنح النجاة مكافأةً أخلاقية. إنه يعمل وفق قوانينه: من يفهمها ويتعامل معها بوعي تزداد فرص نجاته، ومن يستهين بها قد يدفع الثمن مهما كانت نواياه طيبة. وكذلك الحياة؛ ليست ضدنا، لكنها لا تعفينا من تعلّم قوانينها.

أن تكون طيبًا لا يعني أن تنتظر يدًا تمتد إليك كلما تعثرت. وأن تكون صاحب حق لا يعني أن الحق سيصل إليك من دون مطالبة. وأن تمتلك حلمًا جميلًا لا يعني أن الطريق سيفتح أبوابه تلقائيًا. فالأحلام تحتاج إلى معرفة، والقيم تحتاج إلى شجاعة، والنوايا تحتاج إلى عمل منظم يحولها إلى أثر.

أما الذين نراهم ناجحين رغم عيوبهم، فربما لم يصنع الشر نجاحهم كما نتصور؛ لعلهم نجحوا لأنهم امتلكوا الجرأة والانضباط والإصرار والقدرة على اقتناص الفرص وتحمل المخاطر. وهذه أدوات ليست حكرًا على السيئين، ولا ينبغي للطيبين أن يتركوها لهم.

الجرأة في ذاتها ليست شرًا؛ إنما يحدد اتجاهها الضمير. والقوة ليست فسادًا؛ إنما يحدد قيمتها الغرض الذي تُستخدم من أجله. والذكاء لا يصبح فضيلة أو رذيلة إلا بما يختاره صاحبه. لذلك فإن أجمل صورة للإنسان ليست أن يكون طيبًا ضعيفًا، ولا قويًا بلا أخلاق، بل أن يجمع بين ضمير حي وإرادة قادرة.

وعلينا كذلك أن نعيد النظر في معنى العقاب. فما كل من أفلت من عقوبة ظاهرة قد نجا فعلًا، وما كل من خسر في أعين الناس يكون قد هُزم. بعض العقوبات لا تظهر في المال أو المكانة، بل في فقدان الطمأنينة، وانهيار الثقة، وضيق العالم الداخلي. وبعض المكافآت لا تُقاس بالشهرة والربح، بل بسلام النفس، ونظافة اليد، وقدرة الإنسان على النظر إلى ذاته من دون خجل.

غير أن الإيمان بعدالة أوسع لا ينبغي أن يجعلنا سلبيين أمام الظلم. فانتظار العدالة لا يعفي الإنسان من صناعتها حيث يستطيع: بالقانون، والكلمة، والتوثيق، والمواجهة الحكيمة، وبناء المؤسسات التي تحمي الضعفاء وتصون الحقوق. فالخير الحقيقي ليس انسحابًا من الحياة، بل مشاركة واعية في إصلاحها.

إن الطيبة وحدها لا تكفي، نعم؛ لكنها تظل البوصلة التي تمنع القوة من أن تتحول إلى طغيان، والذكاء من أن يصبح خداعًا، والنجاح من أن يفقد معناه. وما تحتاج إليه الطيبة ليس أن تتخلى عن نقائها، بل أن تنضج؛ أن تتعلم، وتتسلح بالبصيرة، وتعرف متى تمنح ومتى تمتنع، متى تصمت ومتى تتكلم، ومتى تسامح ومتى تغادر.

ليس المطلوب أن نقسو حتى ننجو، ولا أن نتخلى عن مبادئنا كي ننجح. المطلوب أن نتعلم السباحة ونحن نحمل أخلاقنا معنا.

فالحياة ليست دائمًا محكمة توزع الأحكام كما نشتهي، لكنها بحر واسع يختبر وعينا وقدرتنا واختياراتنا. وفي هذا البحر، لا يكفي أن يكون القلب نقيًا؛ لا بد أن تكون العين مفتوحة، والعقل حاضرًا، والإرادة قوية.

كن طيبًا، ولكن لا تكن ساذجًا.

كن رحيمًا، ولكن لا تقبل الإهانة.

كن متسامحًا، ولكن تعلّم من التجربة.

كن قويًا، ولكن لا تؤذِ أحدًا بقوتك.

فالطيبة ليست أن تعجز عن الشر، بل أن تملك القدرة ثم تختار الخير.

وليست القوة أن تُخضع الآخرين، بل أن تحمي إنسانيتك من دون أن تفقدها.

روضة مبارك راشد العامري – الشرق القطرية

Exit mobile version