Site icon كوش نيوز

بلد السادة!

أحد أسباب حرب ترامب على إيران أنه لا يؤمن بالمساواة بين البشر. المساواة، بالنسبة له، مفهوم غير واقعى وعائق أمام النجاح. سواء كان ذلك بين الأفراد داخل أمريكا، أو بينها وبقية الدول. العالم عنده هرم طبقى، وأمريكا يجب أن تجلس على قمة هذا الهرم وتمارس قوتها دون التزام بأوهام «المساواة الدولية». خلال رئاسته الأولى وصف بعض الدول، خاصة الأفريقية، بأوصاف عنصرية مهينة. نائبه جى دى فانس يتبنى نظرية أن البشر لم يُخلقوا متساوين. هذه التوجهات البغيضة ليست سوى انعكاس لتيارات فكرية وسياسية منتشرة حاليا فى أمريكا تؤمن بأن معظم الأمريكيين يأخذون ولا يُعطون. يعتمدون على غيرهم وليسوا منتجين أو مبدعين.

قبل أسابيع، ظهر كتاب للمؤرخة الأمريكية كيم فيليبس فاين يحمل عنوانا طويلا: «بلد اللوردات: الأرستقراطيون الجُدد والداروينيون الاجتماعيون والحالمون التكنولوجيون.. الصراع الممتد ضد المساواة فى أمريكا». تقول المؤلفة إن فكرة رفض المساواة بين البشر وجدت دائما من يساندها عبر التاريخ الأمريكى. رغم أن الدستور رسخ المساواة، إلا أن الأرستقراطيين، مثل جون آدامز، الرئيس الثانى لأمريكا، آمنوا بأن المساواة أسطورة، وأن الديمقراطية ستؤدى إلى الفوضى. كان هناك أيضا أنصار نظرية داروين (البقاء للأقوى). رجال الأعمال والصناعة الذين بنوا أمريكا، وأبرزهم هنرى فورد، عملاق السيارات، اعتقدوا أن البشر ليسوا متساوين، وأن أى تصور ديمقراطى يسعى لجعلهم كذلك، محاولة لعرقلة التقدم.

انضم إلى هؤلاء أقطاب التكنولوجيا فى وادى السيليكون وأصحاب الشركات الكبرى مثل ماسك وبيزوس وزوكربيرج وغيرهم. يؤمن هؤلاء بأن الأغنياء يعملون بجد أكبر، وأن الفقراء يتخذون قرارات سيئة. يعتقدون أيضا أن بعض المجموعات العرقية (البيض) يولد أفرادها بمستويات ذكاء أعلى مقارنة بغيرهم. قد يبدو ذلك قاسيا للبعض، لكن هذه هى آراء النخبة «التكنولوجية» التى يرى بعضها أن التعاطف مع الفقراء والمرضى وذوى الحاجات ضعف. ماسك قال: «التعاطف نقطة ضعف الحضارة الغربية». مع تراجع الأوضاع الاقتصادية وعدم قدرة المواطن الأمريكى العادى على تحمل تكاليف الحياة، تجد هذه الأفكار أرضا خصبة، خاصة أن من يرددها أو يطبقها مسؤولون أو نخبة ثرية يملكون «عصب» الاقتصاد الأمريكى.

المفارقة أن بعض أبناء الطبقة العاملة والفقراء يؤمنون بهذه الأفكار. ربما يأساً من تغير أحوالهم أو لاعتقادهم أنهم يمكنهم الانضمام إلى طبقة الأغنياء، مما يُشعِرهم بالتميز والأفضلية على أبناء طبقتهم الأصلية، أو من يعتبرونهم فى مرتبة أدنى. المفارقة أيضا أنه عندما تأسست أمريكا قبل ٢٥٠ عاما، كان المبدأ الذى قامت عليه أنه لا ملوك ولا لوردات ولا امتيازات طبقية. الآن، ترامب يتصرف كملك لدرجة أن الملايين تظاهروا ضده رافعين شعار: «لا نريد ملوكاً». أقطاب التكنولوجيا، الذين يتطلعون لاستعمار الفضاء ولا يدفعون الضرائب، يعيشون حياتهم مثل ملوك العصور الوسطى.

الهجمة الأمريكية الراهنة على العالم، سواء كانت فى شكل حرب على إيران أو فرض رسوم تجارية على جميع الدول أو اختطاف رئيس فنزويلا أو الإصرار على الاستيلاء على جرينلاند، ليست سوى أعراض لإيمان الطبقة الحاكمة والغنية بأن أمريكا بلد السادة، والعالم ليس سوى تابع لها.

عبدالله عبدالسلام – المصري اليوم

Exit mobile version