حادثة ميناء “دمياط” في مصر الشقيقة —وبعيداً عن تفاصيلها الدرامية— لفتت الانتباه إلى وجود هذا الميناء الذي لم يكن الكثيرون ينتبهون لأهميته، رغم أنه يحتل المرتبة (90) في قائمة أفضل 100 ميناء على مستوى العالم.
مصر التي تعتمد استراتيجية “فصل الملكية عن التشغيل” تمتلك نحو 53 ميناءً بحرياً؛ حيث تحتفظ الدولة بملكية الأرض والأصول والبنية الأساسية، بينما تُمنح شركات ومشغّلون عالميون عقود تطوير البنية الفوقية وإدارة المحطات وتشغيلها.
ومن أبرز المُشغّلين العالميين في الموانئ المصرية: مجموعة “ميرسك” (Maersk) الشهيرة التي تدير وتُشغّل “شركة قناة السويس للحاويات” بميناء شرق بورسعيد (وهي إحدى أكبر محطات تداول الحاويات في شرق المتوسط)، ومجموعة “موانئ دبي العالمية” التي تدير وتُشغّل محطة الحاويات والبضائع الرئيسية في ميناء السخنة، ومجموعة “موانئ أبوظبي” التي تمتلك عقود إدارة وتشغيل محطات الركاب والسفن السياحية في موانئ سفاجا والغردقة وشرم الشيخ والسخنة، وشركة “CMA CGM” الفرنسية التي تشارك في إدارة وتشغيل محطة “تحيا مصر” متعددة الأغراض بميناء الإسكندرية، فضلاً عن مجموعة “MSC” المتعاقدة على تشييد البنية الفوقية وإدارة وتشغيل محطة الحاويات بميناء الدخيلة.
في سياق بناء دولة السودان الحديثة بعد طي صفحة الحرب، نحتاج إلى استثمار ثروة عظيمة مهملة ومُلقاة على قارعة الطريق: نحو 800 كيلومتر من السواحل الذهبية على البحر الأحمر، خاوية على عروشها، لم يمسسها إنس قبلنا ولا جان! لا تضم سوى بضعة موانئ محدودة القدرات والإمكانيات، بما فيها ميناء بورتسودان الذي تجاوز عمره 125 عاماً.
إن استثمار هذه الثروة لن يتأتى ما لم نُغيّر منهج التفكير الرسمي للدولة، ونخرج من صندوق الماضي ومسلّماته الحتمية. ومن الحكمة أن نبدأ من النقطة الأهم: الإطار المؤسسي الذي تنطلق منه المشروعات الطموحة على سواحل البحر الأحمر.
سبق لي هنا قبل سنوات (في العام 2020 تقريباً) أن نصحت بإنشاء “سلطة الموانئ البحرية السودانية”، لتكون الجسم الحكومي المالك والمنظّم والمُشرف والمراقب لمنظومة الموانئ البحرية الحالية والمستقبلية.
ومعلومٌ الفرق بين “الهيئة” و”السلطة”؛ فالأخيرة لا تتدخل في العمليات التشغيلية اليومية، مما يمنح مرونة عالية لتطوير الموانئ عبر شراكات متعددة. وفي تقديري، فإن من الحكمة أن تتحول الموانئ إلى شركات مساهمة عامة تمتلك “سلطة الموانئ” غالبية أسهمها، مع إتاحة الفرصة لشركاء محليين ودوليين حسب طبيعة كل ميناء وتخصصه. كما تتيح هذه الصيغة عقد شراكات داخلية على مستوى الميناء الواحد؛ كمنح شركات الحاويات العالمية الكبرى مثل “MSC” و”Maersk” امتياز تشغيل بعض محطات الحاويات في الموانئ الحالية أو التوسعات المستقبلية.
سواحل السودان —وفق دراسات رسمية سابقة— تستوعب مبدئياً إنشاء 20 ميناءً. ولحسن الحظ، يتميز بعضها حالياً ببيئة طبيعية توفر مياهاً عميقة وخلجاناً تُشكّل مصدات أمواج ورياح طبيعية، مما يقلل تكلفة التشييد والتشغيل معاً.
هذه الموانئ لن تخدم السودان وحده؛ إذ يتوفر لها عمق استراتيجي إفريقي يغطي نحو 27 دولة حبيسة ومجاورة يمكنها الاستفادة منها في حركة النقل البحري، وهو ما يرفع الجدوى الاقتصادية إلى حدها الأقصى، ويُقصر فترة استرداد رؤوس الأموال، مما يمثل عامل جذب قوياً للمستثمرين والمجموعات الاقتصادية العالمية.
تأسيس “سلطة الموانئ البحرية السودانية” سيكون على رأس الهيكل التنظيمي، يليه مباشرة مستوى “شركات إدارة الموانئ” (والتي قد تكون شركات مساهمة عامة لكل منها مجلس إدارة)، بينما يأتي المستوى الثالث بإسناد تشغيل المحطات داخل الميناء الواحد لشركات أو تحالفات عالمية متخصصة عبر عقود الإدارة والتطوير (مثل BOT أو PPP).
عثمان ميرغني
#حديث_المدينة السبت 1 أغسطس 2026
عثمان ميرغني يكتب .. سلطة الموانئ البحرية السودانية

