آراء

ثنائية إسرائيل والميليشيات.. أصل الداء في الشرق الأوسط

لا يمكن فهم استعصاء أزمات الشرق الأوسط بمعزل عن جذورها التي تتشابك لتُنتج دورة العنف والدمار المتواصلة. والبداية الصحيحة ربما تستدعي تشريح أصول معظم هذه الفوضى المزمنة في الشرق الأوسط النابعة من مصدرين رئيسين يعملان في تناغم خفي. الأول، هو إسرائيل كدولة احتلال بسياساتها التوسعية، والثاني، هو الجماعات والميليشيات المسلحة التي تحولت إلى أدوات وظيفية بيد قوى إقليمية ودولية. إذ إن هذين المحورين يشكلان وجهين لعملة واحدة، حيث يغذي كل منهما الآخر في معادلة الخراب والفوضى المستدامة.

ولعل البداية مع إعلان وعد بلفور مرورًا بنكبة 1948 واحتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية عام 1967، حيث شكّل المشروع الإسرائيلي مجموعة اختلالات جيوسياسية عميقة. في البداية لم تكن «النكبة» مجرد مأساة إنسانية أنتجت قرابة 5.6 ملايين لاجئ، بل كانت تفجيرًا لبنية المنطقة وتوازناتها. ثم تعمّقت المأساة بدعم وتغاضٍ دولي فتوسعت إسرائيل استيطانيًا ليتجاوز عدد المستوطنين 700 ألف في الضفة الغربية والقدس الشرقية، في خرق ممنهج للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن. وعلاوة على ذلك يُبقي الحصار الجائر على غزة منذ 2007 أكثر من مليوني إنسان في سجن مفتوح تكررت فيه حروب مدمرة على مدى الأعوام وصولًا إلى الإبادة الجماعية الحالية التي أودت بحياة ما يزيد على 73 ألف إنسان وهدمت 70 % من المباني. لذلك لا يصحّ تقديم التطبيع بوصفه بديلًا عن التسوية العادلة. فالعلاقات الدبلوماسية قد تعيد ترتيب المصالح بين الحكومات، لكنها لا تمحو حق شعب تحت الاحتلال، ولا تعالج قضية اللاجئين، ولا توقف الاستيطان والحصار.

وهذا المناخ المستمر من الغبن والاحتلال لم يخلق قضية تحرر وطني فحسب، بل ولّد بيئة حاضنة لتبرير وجود الميليشيات وما يُسمى «محور المقاومة» الذي يتخذ من معاناة الفلسطينيين وقودًا رمزيًا لاستمراره. وهنا تحولت مناطق شاسعة من الشرق الأوسط إلى ساحات فوضى لجماعات مسلحة تحمل هويات محلية لكن عقيدتها القتالية وبندقيتها مربوطة بأطراف خارجية، ناهيك عن تواطؤ أنظمة بعينها في توظيف هذه الميليشيات أو التعامل معها كأوراق مساومة إقليمية. فحزب الله في لبنان، الذي أنشئ بتخطيط إيراني مطلع الثمانينات، لم يعد مجرد حزب أو مقاومة، بل بات دولة عميقة تتحكم في مقدرات لبنان، وتفرض قرار السلم والحرب، والنتيجة انهيار مالي واقتصادي غير مسبوق في لبنان؛ فقد تقلص الناتج المحلي بأكثر من 60 % منذ 2019 وبلغ التضخم 200 % وفقدت العملة 98 % من قيمتها، بينما بقيت الميليشيا تتحكّم بالمصائر قبل المرافئ والمعابر والمصارف.. وفي اليمن، استولى الحوثيون بدعم إيراني على صنعاء عام 2014، ليدخل البلد في حرب أنتجت أكثر من 377 ألف قتيل، ونزوح ما يزيد على 4 ملايين، ومعاناة 24 مليونًا، ثم شطرت البلد وحولته إلى منصة لتهديد الملاحة الدولية وابتزاز الجوار.. أما في العراق، فقد اخترقت فصائل الحشد الشعبي مفاصل الدولة، وشكّلت أجنحة عسكرية تستهدف جيران العراق بالصواريخ والطائرات المسيرة في خدمة أجندة طهران أكثر مما تخدم استقرار بغداد.

وتكمن الخطورة الحقيقية هنا، في ذلك التخادم غير المباشر بين هذين المصدرين؛ فالسياسات الإسرائيلية والاحتلال تُتخذ كذريعة أيديولوجية من قبل هذه الميليشيات لتبرير احتفاظها بالسلاح وتخوين خصومها السياسيين. وفي المقابل، تتخذ إسرائيل من وجود هذه الميليشيات المسلحة مبررًا لاستمرار نهجها العسكري ورفضها لأي تسويات سلمية، مما يضع المنطقة كلّها في حلقة مفرغة من الفعل ورد الفعل.

ولهذا فلا أمل في الدور الأميركي المتحيز، ولا الموقف الأوروبي المتردِّد، أو براغماتية التنافس الروسي-الصيني على المصالح. وللخروج من هذا النفق المظلم ربما يستلزم معالجة جذرية متزامنة؛ تبدأ بإيجاد حل عادل ومستدام للقضية الفلسطينية وفق المقررات الدولية. ويتلازم هذا حتميًا مع تفكيك شبكات الميليشيات واستعادة سلطة الدولة الوطنية. وبدون كسر هذه (الثنائية) الكمّاشة، سيبقى الشرق الأوسط رهينة لتوازنات الرعب وأجندات الخارج، وستظل شعوبه تدفع الضريبة في صراعات استنزافية تصادر حاضرها ومستقبل أجيالها المقبلة.

قال ومضى:

الدول التي لا تملك قرارها.. لا تسل عن استقرارها.

د. فايز بن عبدالله الشهري – جريدة الرياض

اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى