لطالما جادل جون ميرشايمر، عالم السياسة بجامعة شيكاغو المعروف بتقييماته الصارمة، بأن الجغرافيا هي أحد أكثر القوى حسمًا في العلاقات الدولية. إن ملاحظته بشأن الولايات المتحدة تعد درسًا بليغًا؛ فحمايتها بمحيطين شاسعين وحدودها مع جارتين غير مهددتين، منح أمريكا درجة من العزل الاستراتيجي لم تحظَ بها أي قوة عظمى أخرى في التاريخ.
هذا العزل لم يحمِ الولايات المتحدة فحسب، بل حدد موقعها ومكانتها؛ فالأمة التي لا تحتاج إلى إنفاق طاقتها في الدفاع عن حدودها يمكنها توجيه تلك الطاقة نحو الخارج، لتشكيل العالم من حولها. وبعبارة أخرى، فإن الميزة الاستراتيجية هي دعوة للقيادة.
أما دعوة المملكة العربية السعودية فتأتي من مصدر مختلف، لكنها لا تقل واقعية، بل إنها في بعض الجوانب أقدم بكثير. إن موقع المملكة عند ملتقى ثلاث قارات، ودورها كخادم للحرمين الشريفين، وجذورها العميقة في الثقافة العربية، تشكل معًا مجموعة من الالتزامات التي فرضتها الجغرافيا والتاريخ معًا. فبالنسبة لنحو ملياري مسلم حول العالم، تمثل مكة المكرمة والمدينة المنورة المركز الروحي لحضارة بأكملها، والدولة التي تشرف عليهما لا يمكنها أن تظل غير مبالية بمصير هذه الحضارة.
ولتقدير الثقل الكامل لهذا الإرث، يجب على المرء أن ينظر إلى ما هو أبعد من التأسيس الحديث للمملكة. وفي هذا السياق، يقدم المؤرخ عبد المجيد المديرع إطارًا مفيدًا بقوله:
“المملكة العربية السعودية قامت على الإسلام والثقافة العربية، وهما الركيزتان التوأمان اللتان قامت عليهما الدولة الأموية. لقد كانت الدولة الأموية تمتلك الإسلام والعرب كعمود فقري لها. وجاءت بعد ذلك الدولة العباسية التي حافظت على الإسلام، لكنها فصلته عن العرب الذين هم أساس الإسلام نفسه. ولم يقف العرب كقوة حضارية إلا من خلال الدولة الأموية في الأندلس، والدولة السعودية”.
إن نقطة المديرع ليست مجرد لفتة تاريخية، بل تتحدث مباشرة عن الحاضر. فالمملكة العربية السعودية ليست دولة جديدة تبحث عن هيبة قديمة، بل هي، بالمعنى العميق، استئناف: عودة لكيان سياسي جمع ذات يوم بين الجغرافيا المقدسة للحرمين الشريفين والجذور الثقافية التي يستمد منها العالم العربي الأوسع هويته. ويحمل هذا الإرث في طياته مطلبًا ضمنيًا: دعم المؤسسات الفاعلة على حساب الفصائل المسلحة، وتقديم نموذج للحوكمة يمكن للعالم العربي أن يعرفه ويحترمه. هذا هو الهدف الذي يسري في أسس المملكة.
علاوة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا الهدف ليس أخلاقيًا بطبيعته فحسب، بل هو استراتيجي أيضًا بالمعنى الأكثر وضوحًا. فالعالم العربي المزدهر، من الخليج العربي إلى الشواطئ الأطلسية للمغرب، هو بكل وضوح جوار أفضل للمملكة العربية السعودية. إن التحول الاقتصادي للمملكة، وأجندة التنويع الطموحة، وشبكتها المتنامية من روابط الاستثمار والتجارة التي تمتد غربًا عبر شمال إفريقيا؛ كل ذلك يعتمد، عند مستوى أساسي ما، على بيئة إقليمية فاعلة بدلاً من بيئة ممزقة.
تمتلك الرياض كل الحوافز لرؤية جيرانها مستقرين ومنطقتها متكاملة. فالاضطراب، أينما حل، سواء في بلاد الشام، أو القرن الإفريقي، أو المغرب العربي، يحمل تكاليف تصل في النهاية إلى عتبة المملكة. إن مصلحة السعودية في الازدهار العربي هي مصلحة هيكلية وليست مجرد شعارات بلاغية.
وقد عبرت هذه المصلحة الهيكلية عن نفسها في نمط سلوكي متسق عبر المنطقة. والمبدأ الكامن في جوهرها واضح ومباشر: عندما تتعرض مؤسسات الدولة للتهديد من قِبل قوى مسلحة تسعى لإزاحتها أو تذويبها، فإن السعودية تقف مع الدولة.
نماذج من المنطقة: البحرين واليمن
توضح حالتان خارج السودان هذا الأمر بوضوح تام:
في البحرين: عندما هددت اضطرابات عام 2011 بزعزعة استقرار مملكة البحرين وتقويض أسس مؤسساتها الحاكمة، لم تتردد السعودية. وكجزء من نشر قوات درع الجزيرة، تحركت الرياض لدعم دولة جارة تواجه خطرًا حقيقيًا بالانهيار؛ ليس لفرض نتيجة معينة، بل لمنع حدوث فراغ. هذا التمييز مهم؛ فما تعارضه السعودية باستمرار ليس التغيير في حد ذاته، بل المسار الخاص والخطير للتغيير الذي يمر عبر الانهيار المؤسسي والفوضى المسلحة.
في اليمن: كان المنطق هو نفسه، لكن الرهانات كانت أعلى بكثير. عندما اجتاحت الحركة الحوثية — المدعومة من أطراف خارجية ذات مصالح تتناقض تمامًا مع الاستقرار الإقليمي — البلاد وطردت الحكومة المعترف بها دوليًا من العاصمة، نظمت السعودية وقادت تحالفًا لاستعادة السلطة الشرعية. لقد كانت التدخلات مكلفة وما زالت تسويتها غير مكتملة، لكن المبدأ الأساسي لم يتزعزع أبدًا: أن يمنًا تحكمه مؤسسات معترف بها، مهما كانت غير مثالية، هو أفضل بمرات لا تحصى من يمن لا يحكمه أحد، أو تحكمه ميليشيا تأتمر بأمر كفيل أجنبي.
الاختبار الراهن في السودان
هذا المبدأ سبَق أزمة اليمن، واستمر من بعدها. ومع ذلك، لا يوجد مكان يتجلى فيه اختبار هذا المبدأ بشكل أكثر إلحاحًا اليوم مما يحدث في السودان.
إن ما يتكشف هناك ليس صراعًا أهليًا تقليديًا، بل هو تفكيك ممنهج للدولة عند أحد أكثر الملتقيات حساسية واستراتيجية في العالم العربي، حيث يلتقي البحر الأحمر بالقرن الإفريقي والساحل. إن السودان الممزق لا يعاني داخليًا فحسب؛ بل ينتج آثارًا ارتدادية، ونزوحًا، وتدفقات للأسلحة، وأراضٍ بلا حوكمة، تشع للخارج عبر منطقة غير مستقرة بالفعل. بالنسبة لدولة ترتبط مصالحها هيكليًا بالاستقرار الإقليمي، فإن انهيار السودان ليس مصدر قلق هامشي، بل هو تحدٍ مباشر لشكل العالم العربي الذي تعمل الرياض على بنائه.
بناءً على ذلك، جاءت استجابة السعودية متسقة؛ إذ نظمت الرياض نهجها حول التزام واضح واحد: دعم مؤسسات الدولة الشرعية على حساب قوات الميليشيات. وفي حين قدرت بعض الأطراف الإقليمية أن السودان المفتت يخدم مصالحها الاستراتيجية، وذهبت إلى حد تسليح القوى غير النظامية وتعميق الصراع، حافظت السعودية على دعمها للمؤسسات السيادية في السودان والحكومة الشرعية بقيادة الفريق البرهان.
هذا التباين ليس عارضًا، بل يعكس اختلافًا حقيقيًا في الرؤية: بين من يرى في الدولة العربية الضعيفة فرصة، ومن يرى فيها مشكلة يجب احتواؤها.
ولم تغب الأبعاد الخارجية للصراع عن واشنطن؛ فقد وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في شهادته أمام الكونغرس في 4 يونيو، الوضع في السودان بأنه “حرب بالوكالة”، وهو اعتراف بأن أطرافًا خارجية تغذي العنف عمدًا. هذا التوصيف دقيق إلى حد ما، ولكنه يقصر في عدم رسم التمييزات اللازمة.
فليست كل التدخلات الخارجية متساوية. هناك فرق شاسع بين من اختار تسليح الميليشيات كأدوات للتفتيت، وبين دولة مثل السعودية، التي عملت بثبات نحو تحقيق النتيجة المعاكسة. وتعد الرياض من بين الفاعلين الإقليميين القلائل الذين عملوا باستمرار على احتواء الفوضى الإقليمية.
التطلع إلى المستقبل
إن الأهمية الأوسع لموقف المملكة العربية السعودية تمتد إلى ما هو أبعد من أي صراع منفرد. فكما جعلت المزايا الجغرافية لأمريكا منها مهندسًا طبيعيًا للنظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية — ليس لأنها سعت وراء هذا الدور، بل لأن موقعها جعل ذلك حتميًا تقريبًا — فإن الإرث الحضاري للمملكة، الممتد عبر 14 قرنًا من التاريخ العربي الإسلامي، قد وضعها في قلب منطقة تبحث ليس فقط عن الأمن، بل عن نموذج قابل للتطبيق لما يمكن أن تكون عليه الدولة العربية.
من البحرين إلى اليمن إلى السودان، قدمت المملكة إجابة متسقة على هذا السؤال: إن السيادة تستحق الدفاع عنها، وإن المؤسسات تستحق الحفاظ عليها، وأن البديل المتمثل في الفصيل المسلح أو الميليشيا أو القوة الوكيلة يؤدي إلى طريق لا ترغب أي أمة جادة في سلوكه.
لكن السودان ليس سوى فصل واحد، وليس القصة بأكملها. إن ما تعمل السعودية على تحقيقه في نهاية المطاف هو شرق أوسط مستقر بما يكفي ليؤخذ على محمل الجد كقوة بناءة في العالم؛ منطقة لم تعد تُعرّف في المقام الأول بصراعاتها، بل بقدرتها على حلها.
أما عما إذا كانت المملكة ستنهض تمامًا بهذا التحدي، فهو أمر يبقى رهين المستقبل. إن العالم العربي، من الخليج إلى المحيط الأطلسي، يراقب؛ وبشكل متزايد، يراقب بقية العالم أيضًا.
ناصر بن حمد الأحمد: باحث وكاتب سياسي يمتلك خبرة تتجاوز ثماني سنوات في الإعلام السياسي، ومتخصص في تحليل التوجهات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والولايات المتحدة.
السوداني

