Site icon كوش نيوز

السعودية ودبلوماسية إطفاء الحرائق

السعودية

البيان السعودي لا يُقرأ بوصفه تعليقًا على حدث، بل بوصفه جزءًا من إدارة الحدث.. المملكة تقول للأطراف المتحاربة: إن هدنة الستين يوماً فرصة، وتقول للوسطاء: إن جهودهم موضع تقدير، وتقول للعالم: إن أمن الخليج ليس تفصيلًا في صراع الكبار.. أما الرسالة الأعمق فهي أن السعودية، بثقلها السياسي والديني والاقتصادي، اختارت أن تكون قوة تهدئة لا قوة تأجيج، وصاحبة مشروع استقرار لا شاهدة على الفوضى..

لم يكن بيان وزارة الخارجية السعودية بشأن الترحيب بالاتفاق الأميركي – الإيراني لإنهاء العمليات العسكرية والأعمال التصعيدية لمدة ستين يوماً مجرد موقف دبلوماسي عابر، ولا صياغة بروتوكولية تُضاف إلى أرشيف البيانات الرسمية. كان البيان في جوهره إعلاناً سياسياً محسوباً عن موقع المملكة في أخطر لحظة إقليمية منذ سنوات: موقع الدولة التي لا تنخرط في منطق المحاور، ولا تكتفي بمقاعد المتفرجين، بل تعمل على منع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة لا رابح فيها.

فالبيان السعودي جاء بلغة هادئة، لكنه محمّل برسائل ثقيلة. الترحيب بالاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران لم يُقدَّم بوصفه نهاية الأزمة، بل بوصفه نافذة ضيقة يجب استثمارها للوصول إلى اتفاق دائم، هنا تكمن براعة الموقف السعودي؛ فالمملكة لا تحتفل بالهدنة بوصفها إنجازاً نهائياً، ولا تمنح الأطراف صك براءة، بل تدفع باتجاه تحويل التوقف المؤقت للنيران إلى مسار سياسي ملزم، ستّون يوماً في حساب الحروب ليست زمناً طويلاً، لكنها قد تكون كافية لإعادة العقل إلى طاولة التفاوض، أو كافية -إن أُهدرت- لانفجار أشد.

منذ اندلاع شرارة الحرب الإيرانية – الأميركية، تحركت المملكة وفق مبدأ واضح: أمن المنطقة ليس ورقة تفاوض بين قوتين، بل مصلحة جماعية لدول الخليج والعالم. لذلك لم يكن غريباً أن يشير البيان إلى اتصالات المملكة مع “جمهورية باكستان الإسلامية ودولة قطر” ومع الجانبين الأميركي والإيراني. هذه الإشارة ليست تفصيلاً مجاملاً، بل توثيقاً لدور سعودي نشط خلف الكواليس؛ دور يوازن بين الحزم والواقعية، وبين حماية المصالح الوطنية وتغليب خيار خفض التصعيد.

الأهم في البيان أنه أعاد تعريف الأولويات، فالسعودية لم تحصر الأزمة في الاشتباك العسكري ذاته، بل ربطتها بأمن الملاحة في مضيق هرمز، وبالمصالح الأمنية لدول المنطقة، وبمبدأ احترام الشؤون الداخلية للدول، هذه ثلاثية سياسية دقيقة: الملاحة، الأمن الإقليمي، السيادة. ومن يقرأها جيداً يدرك أن الرياض لا تريد اتفاقاً ثنائياً بين واشنطن وطهران يُبرم فوق رؤوس العواصم الخليجية، بل تسعى إلى تسوية تأخذ في الاعتبار الدول التي تدفع الثمن أولاً حين يشتعل الخليج.

الحديث عن مضيق هرمز في البيان له دلالة خاصة. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل شريان اقتصادي عالمي، وأي تهديد له ينعكس على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، واستقرار الاقتصاد الدولي. حين تطالب المملكة باستعادة أمن وحرية الملاحة إلى ما كانت عليه قبل يوم 28 فبراير، فهي تضع معياراً عملياً لا شعارياً للتهدئة. السلام في الرؤية السعودية لا يقاس فقط بتوقف الصواريخ، بل بعودة السفن، وانخفاض المخاطر، واستعادة الثقة في الممرات الحيوية.

كما أن تثمين المملكة للوساطة الباكستانية والقطرية يحمل رسالة إضافية: الدبلوماسية الجماعية لا تزال ممكنة في منطقة أنهكتها الاصطفافات. السعودية وهي القوة العربية والإسلامية المحورية، لا تتعامل مع الوساطات بوصفها منافسة نفوذ، بل بوصفها أدوات لإنقاذ الإقليم من الهاوية. هذا النضج السياسي يعكس تحولاً عميقاً في إدارة الرياض للأزمات؛ فالقوة هنا ليست في رفع الصوت، بل في القدرة على صناعة المخارج.

ومن اللافت أن البيان لم يقع في فخ اللغة الانفعالية.. لم يستخدم مفردات الانتصار والهزيمة، ولم يوزع الاتهامات، ولم ينحز إلى خطاب التعبئة، كان منحازاً بوضوح إلى الاستقرار. وهذا بالضبط ما تحتاجه المنطقة اليوم: دول تتحدث بعقل الدولة لا بغريزة المعسكر. فالحرب الأميركية – الإيرانية، مهما بدت محصورة بين طرفين، تملك قابلية عالية للتمدد: في البحر، والطاقة، والميليشيات، والاقتصاد، والرأي العام. ومن هنا يصبح خفض التصعيد مصلحة سعودية وخليجية وعالمية في آن واحد.

لقد قدّمت المملكة عبر هذا البيان خلاصة رؤيتها للأمن الإقليمي: لا أمن مستداماً دون اتفاق دائم، ولا اتفاق عادلاً دون مراعاة مصالح دول المنطقة، ولا استقرار حقيقياً دون احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. هذه ليست عبارات إنشائية، بل قواعد اشتباك سياسية تريد الرياض تثبيتها في أي معادلة قادمة.

في النهاية، لا يقرأ البيان السعودي بوصفه تعليقاً على حدث، بل بوصفه جزءاً من إدارة الحدث.. المملكة تقول للأطراف المتحاربة إن هدنة الستين يوماً فرصة، وتقول للوسطاء إن جهودهم موضع تقدير، وتقول للعالم إن أمن الخليج ليس تفصيلاً في صراع الكبار.. أما الرسالة الأعمق فهي أن السعودية، بثقلها السياسي والديني والاقتصادي، اختارت أن تكون قوة تهدئة لا قوة تأجيج، وصاحبة مشروع استقرار لا شاهدة على الفوضى.

وفي زمن تتكاثر فيه الحرائق، تبدو الدبلوماسية السعودية أشبه بمحاولة واعية لحماية البيت الإقليمي من حماقة الشرارة الأولى.

بينة الملحم – جريدة الرياض

Exit mobile version