حوار.. أقرب للتناقض!

اعتدنا على أن يكون سياق الحديث عن «حوار الثقافات» مدخلاً إيجابياً على أنه المفتاح والحل الأنسب لتهدئة الخلافات وتفادي النزاعات، وتختلف الأبحاث والدراسات عن أثر الحوار وإمكانية الوصول إلى نتائج تحد من خلافات عدة بين الأطراف. هذا جانب إيجابي، ويكثر الحديث والكتابة فيه بأشكاله النظرية والتعبيرية. ولكن، يظل لهذا الأسلوب عدة تغييرات، إذ يتأثر بالوسائل ويتماشى أو يضعف أمام الظواهر الحديثة.
من المفترض أن ننظر لهذه الظاهرة كحالة متغيرة وبحسب طبقتها الانتقالية ومستوى الظرف الذي يستدعي استحضار فاعلية الحوار. لغة الحوار في الزمن القديم ليست إلا لغة غير فاعلة على المستوى السياسي، فالحروب لا تعترف حينها بلغات السلام، ولا تستيقن وقف إطلاق النار واستبداله بحوار فض الخلاف وعدم التصعيد، وهذا يدل باختصار على أن لغة القوة حينها تسبق منطق التفاهم، ولكن ما نراه اليوم قد يتخطى المنطقين!
مع تنوع الأدوات اليوم، أصبح هناك إفراز لواقع جديد قد يكون أقرب للتناقض! فعلى الرغم من أن لغة الحوار تظل دارجة أكثر من السابق، خاصة في ظل التقاربات الحديثة، خاصة مع تعزيز وتمكين وسائل التواصل الاجتماعي والأدوات الإعلامية، إذ تسهم في إقامة العلاقات وتخفيف حدة النزاع من كونه اقتتالياً إلى كونه افتراضياً. ولكن من هذا الجانب تحديداً، أجد أن عالم اليوم أصبح خليطا بين ما هو افتراضي بقياس زمني غير مسبوق من حيث توصيل الرسائل وتصديقها أو تكذيبها، وجزء من هذا الخليط ما هو إلا التباس فيما يثير ردة الفعل وتبني الحل الأعنف كلغة حوار بأسلوب انفعالي.
ومن هذا المنظور المتنافر، قد نواجه تساؤلات أعمق من حيث فهم طبيعة الأطراف المنخرطة في الحوار! فالحوار لن يكون وعياً جديداً على سبيل المثال وبحسب تلك الأطراف، بل قد يكون شكلياً ولا يتعمق في منطق الحديث لعدم اكتراث الأطراف في التوصل لنتيجة مرجوة. لذلك، علينا النظر في أسلوب الحوار من حيث المقومات والأفكار التي قد لا تؤدي بالضرورة إلى بناء فكري نظري، على قدر بناء نظرة خيالية، انفرادية. الأمر الذي قد يجعل الكثير من الحوارات تدور في دوائر مغلقة، حيث لا تنتج فهماً جديدا أو التزامات ثابتة ومنطقية، على قدر استحضار فكر غير ثابت بخطابات ثقافية سريعة التغيير.
فإن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً بأهمية حوار الثقافات، خاصة في ظل وجود عدة أساليب للوصول إلى التفاهم والتطلعات وبناء الغايات، إنما يتعلق بمدى توافر الإرادة التي تمنح الخطاب معنى، مصداقية وفاعلية.
د. بثينة محمد الجناحي – الشرق القطرية
