في زمنٍ أصبحت فيه الكلمات تتزاحم في المجالس، وتتنافس فيه الأصوات على لفت الانتباه، يعلّمنا القرآن أن القيمة الحقيقية ليست في كثرة الحديث، بل في حكمة الصمت. ولذلك جاءت الوصية البليغة: «إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فافتخر أنت بحسن صمتك»، لأن الصمت في كثير من الأحيان ليس عجزًا عن الرد، بل قدرة على ضبط النفس، وسموّ في الأخلاق، ووعيٌ بما ينبغي أن يُقال وما ينبغي أن يُترك.
القرآن الكريم لم يمدح الإنسان بكثرة حديثه، وإنما مدحه بحسن منطقه، فقال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، وقال سبحانه: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].
وهذا الاستحضار الدائم لرقابة الله يجعل المؤمن أكثر تأنّيًا في كلامه، وأشد حرصًا على ألا يتحول لسانه إلى بابٍ للأذى أو الندم.
ومن تأمل القرآن وجد أن الصمت أحيانًا يكون عبادة، كما في قصة مريم عليها السلام حين قال الله لها: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} [مريم: 26].
فكان الصمت هنا وسيلة لحفظ القلب، وابتعادًا عن جدال لا فائدة منه. وفي هذا درسٌ عظيم بأن بعض المعارك لا تُربح بكثرة الردود، بل بكرامة التجاهل، وهدوء النفس، والثقة بالله.
وفي واقعنا اليوم، نرى كثيرًا من الخصومات بدأت بكلمة، وكثيرًا من العلاقات انتهت بسبب اندفاع اللسان. بينما الإنسان الحكيم هو الذي يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يحسن نشره. ولذلك وصف الله عباده الصالحين بقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]، أي أنهم يترفعون عن المهاترات، ويختارون الطريق الذي يحفظ القلوب والكرامة.
إن حسن الصمت لا يعني الانطواء أو السلبية، بل يعني أن يكون للكلمة وزن، وللحديث قيمة، وأن يكون السكوت اختيارًا واعيًا لا فراغًا داخليًا. فالمؤمن لا يبحث عن الانتصار في كل نقاش، بل يبحث عن رضا الله، وسلامة قلبه، ونقاء أثره بين الناس.
وحين يكثر الضجيج من حولك، تذكّر أن بعض الصمت نور، وأن الهيبة لا يصنعها ارتفاع الصوت، بل يصنعها اتزان الروح، وحكمة القلب، وصدق الصلة بالله.
د. فاطمة سعد النعيمي – الشرق القطرية
عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر

