نظرة سوداوية أو مستقبلية؟

دخلنا عصراً جديداً توجهنا معه وخاصة مع جائحة كورونا إلى محاولة أتمتة ورقمنة كل شيء ابتعاداً عن الجراثيم والأمراض وحفاظاً على البيئة. ومع هذه الموجة، اتجهت الشركات والجهات المختلفة، الحكومية وغير الحكومية، إلى الأرشيف الإلكتروني بدلاً عن الأرشيف الورقي. واليوم نشهد أكبر الثورات العلمية لهذا العصر بحضور الذكاء الاصطناعي. ولا شك أن للذكاء الاصطناعي ميزات وإمكانيات كبيرة، ولكن في الوقت نفسه، يجب ألا نهمل أضراره ومساوئه والتبعات الكبيرة التي قد يتركها في مستقبل البشرية.
في إحدى المقابلات، يقول سام ألتمان رئيس شركة open AI مالكة chat gpt إنه في المستقبل سيتم استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لاستخدام الإنسان وسيتم بيعها للناس وتحصيل المال عليها كما يتم تحصيل المال من عداد الكهرباء. لماذا يقول في المستقبل وليس اليوم؟ لأن الذكاء الاصطناعي في طور النمو ولا يزال يحتاج الناس لتطوير نفسه، ولكن قد يأتي وقت في المستقبل يتوقف عن الحاجة لتطوير نفسه بعدما ابتلع كل علوم وآداب الأرض والإنسان، بعد ذلك سيتحقق ما قاله سام التمان وسيكون الذكاء الاصطناعي في يد من يستطيع أن يدفع مقابل معلوماته. وبالطبع من يستطيع أن يدفع ستكون بيده القوة والمال.
قد يقول أحدهم: وما المشكلة؟ فلنفترض أنهم جعلوا نماذج الذكاء الاصطناعي أمثال كلاود وجيمناي وقروك في يد من يدفع فقط.. هذا من حقهم لأنهم من عملوا على هذه النماذج وطوروها وكلامهم صحيح وغير صحيح، لأن هذه الشركات اشتغلت على هذه النماذج، ولكنهم استفادوا من المعلومات التي تمت تغذيتها من المستخدمين بدون مقابل واستفادوا من المصادر العلمية والأدبية التي تمت تغذيتها لنماذجهم بدون مقابل مدفوع لحقوق المغنين والفنانين والعلماء والباحثين والأدباء. هذه الشركات ربحت المليارات من الدولارات من منتجات وخدمات وكلمات وأبحاث الكثير دون أن تقدم لهم شيئاً من ناحية، ومن ناحية أخرى، تدمر هذه الشركات البيئة عبر مراكز البيانات التي تبنيها لتشغيل الذكاء الاصطناعي.
هذه نظرتي المستقبلية المؤكد حدوثها، أما نظرتي السوداوية فلها علاقة فيما ذكرته في بداية المقال، حيث إنه قد يأتي وقت تحتكر فيه الشركات التكنولوجية الكبرى كل المعارف، ويجعلونها لمن يدفع ومن ثم تصبح المعرفة الرقمية الموجودة على الإنترنت محل بيع وشراء وتحكم تلك الشركات. ويصبح على الإنسان العادي إذا ما أراد أن يصل إلى معلومة ما إما أن يطلب هذه المعلومة عن طريق شركات الذكاء الاصطناعي، ويكون كل ما في وسعه هو الاطلاع عليها دون أن يستطيع تمَلُّكها أو شراءها، وإن استطاع أن يشتريها تبقى تلك الشركات ممتلكة إمكانية الوصول إلى حسابات الأفراد وذات مقدرة على مسح المعلومات من حساباتهم وقتما تريد، مثلما فعلت أمازون عندما مسحت بعض الكتب المشتراة من أجهزة مستخدمي كندل قبل عدة سنوات بلا سبب! ومن ثم يصبح خيار الإنسان العادي أن يمتلك أو أن يبحث عن المعلومة التي يريدها في الكتب والورق.. المادة التي تركناها وأهملناها في السنوات الماضية “حفاظاً على البيئة”!
سواء كنت أبالغ في نظرتي المستقبلية أم لا يجب أن ننتبه من سرقة المعرفة وطرق الوصول إليها منا فقط، لأن شركات التكنولوجيا الضخمة سحبتها من تحت أيدينا دون أن نشعر.
جواهر آل ثاني – الشرق القطرية