آراء

الماركة.. صناعة الوهم المبكر

تعجبت من بعض الأُسر حين تُربّي أطفالها على أن كل شيء لا بد أن يكون «ماركة»، وكأن قيمة الطفل تبدأ من اسم الحذاء الذي يرتديه، أو الشعار المعلّق على حقيبته، أو ثمن القميص الذي يظهر في صورته. والأغرب من ذلك أن هذه الفكرة لم تعد مجرد اختيار شخصي أو ذوق مؤقت، بل تحولت عند البعض إلى شكل من أشكال التربية، وإلى معيار خفي للمكانة الاجتماعية.

الماركة في أصلها قد تكون جودة، وقد تكون ذوقًا، وقد تكون صناعة متقنة تستحق ثمنها، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول من منتج إلى هوية، ومن اختيار إلى تفاخر، ومن تفصيل بسيط في الحياة إلى مقياس لقيمة الإنسان. هنا لا نعود أمام ذوق، بل أمام وهم اجتماعي يربّي الطفل على أن قيمته لا تكتمل بما يفكر فيه، ولا بما ينجزه، ولا بما يحمله من أخلاق وثقة ووعي، بل بما يلبسه ويظهر به أمام الآخرين.

وبرأيي، كل شخص يبحث عمّا ينقصه، فمن يفتقد الثقة قد يبحث عنها في المظهر، ومن يفتقد التقدير قد يطارده في عيون الناس، ومن لا يشعر بقيمته من الداخل يحاول أن يشتري لها عنوانًا من الخارج. لذلك لا تبدو الماركات عند الجميع بمعنى واحد؛ فهي عند البعض ذوق وجودة، وعند آخرين تعويض وإثبات حضور.

والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا نرى كثيرًا ممن لهم وزن ومكانة في المجتمعات يتفاخرون بهذه الماركات كما يفعل بعض العامة؟ لأن الإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى شعار يُعرّف به. فالقيمة الحقيقية لا تُعلّق على الكتف، ولا تُطبع على الحذاء، ولا تُقاس بسعر حقيبة، من يملك الحضور الحقيقي يترك أثره باسمه وفكره وموقفه، لا باسم الشركة التي يرتديها.

إن أخطر ما في ثقافة «الماركة» حين تُزرع مبكرًا في الأطفال أنها تصنع داخلهم شعورًا بالمقارنة الدائمة، فيبدأ الطفل يرى نفسه من خلال ما يملكه الآخرون، ويقيس محبته لذاته بما يستطيع شراءه أو الحصول عليه. وحين يكبر، قد يصبح أسيرًا لهذا السباق المرهق يشتري ليثبت، ويلبس ليُرى، ويتفاخر ليعوض نقصًا لم تعالجه التربية السليمة.

ربما نجحت بعض الشركات في صناعة الحلم حول منتجاتها، وربما صدّق كثيرون أن اقتناء الماركة يعني الرقي، وأن ظهور الشعار يعني المكانة، لكنها في النهاية حيلة تسويقية ذكية، لا ينبغي أن تتحول إلى منهج حياة، فليس كل غالٍ ثمينًا في المعنى، وليس كل مشهور دليلًا على الذوق، وليس كل من ارتدى ماركة صار أكثر قيمة أو أرفع مقامًا.

نحتاج اليوم إلى تربية أكثر وعيًا، تعلّم أبناءنا أن الأناقة جميلة، لكن البساطة أجمل حين تأتي من ثقة، وأن الجودة مطلوبة، لكن التفاخر بها نقص، وأن الإنسان يستطيع أن يكون مهذبًا، ناجحًا، حاضرًا، ومحبوبًا، دون أن يحمل على جسده إعلانًا تجاريًا ليثبت وجوده.

الطفل الذي نربّيه على أن قيمته في عقله وخلقه وثقته بنفسه، سيكبر ثابتًا مهما تغيرت الموضات، أما الطفل الذي نربّيه على أن قيمته في الماركة، فسنتركه يطارد أسماء لا تنتهي، وأسعارًا لا تشبع، وصورة اجتماعية لا تستقر.

في النهاية، الماركة قد ترفع سعر القطعة، لكنها لا ترفع قيمة الإنسان، والقيمة الحقيقية لا يصنعها شعار، بل يصنعها وعي ناضج، وتربية راسخة، ونفس لا تبحث عن احترامها في واجهة متجر.

رؤى مصطفى – جريدة الرياض

اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى