مَن هو الإعلامي مرة أخرى؟

بالنسبة لي، لم يكن السؤال: “من هو الإعلامي؟” سؤالاً بسيطاً، بل كان وما زال سؤالاً ملحّاً في زمن اختلطت فيه الأدوار، وتداخلت فيه المهنة مع الشهرة، والتأثير مع الاحتراف، حتى بات كل من امتلك حساباً في وسائل التواصل الاجتماعي يقدّم نفسه بوصفه “إعلامياً”. وقد تكلمت عن ذلك قبل سبع سنوات في مقال بعنوان: “من هو الإعلامي؟”، نُشر على صفحات هذه الصحيفة يوم الاثنين 27 جمادى الآخرة 1440هـ (4 مارس 2019م). وقد ازداد يقيني باستمرار أهمية هذا السؤال بعد فعالية حضرتها مؤخراً، قيل لي -عند الدعوة- إنها ستضم عدداً من الإعلاميين، لأتفاجأ أن أغلب الحضور كانوا من مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي.. هنا أدركت أن الخلط بين “الإعلامي” و”صانع المحتوى”، ليس حالة فردية، بل أصبح ظاهرة تستحق التوقف والتأمل.لقد تعلَّمنا أن الإعلامي ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل هو شخص يعمل ضمن منظومة إعلامية لها معاييرها المهنية والأخلاقية والتنظيمية. وكان الانتماء إلى مؤسسة إعلامية معروفة، إلى جانب التأهيل العلمي والخبرة المهنية، يمنح الإنسان مشروعية حمل هذا اللقب. أما اليوم، فقد أسهمت التقنية الحديثة في فتح المجال أمام الجميع للنشر والتأثير، وهو أمر إيجابي -في حالة المحتوى الجيد- من حيث توسيع دائرة التعبير، لكنه لا يعني بالضرورة أن كل مؤثر إعلامي، كما أن كل متحدث أمام الجمهور ليس مثقفاً أو مختصاً..
ثمة فرق جوهري بين الإعلام المهني وبين صناعة المحتوى الرقمي، فالإعلام يقوم على التحقق، والمسؤولية، والالتزام المهني، ومعرفة أثر الكلمة في المجتمع، بينما يقوم كثير من محتوى المنصات على الإثارة السريعة، والسعي وراء التفاعل والمشاهدات، بغض النظر عن القيمة أو الدقة أو المسؤولية.ولا تكمن المشكلة في حقيقة وجود مشاهير لوسائل التواصل الاجتماعي، فهم جزء من التحولات الطبيعية للعصر الرقمي الذي نعيشه، بل في منح الألقاب المهنية دون ضوابط واضحة، وفي تقديم بعض المؤثرين بوصفهم “إعلاميين” في المؤتمرات والفعاليات الرسمية، مع ما يترتب على ذلك من مكاسب مالية وحضور اجتماعي، دون وجود معايير دقيقة تحدد من يستحق هذا الوصف. والأدهى والأمر، أن يقوم الإعلاميون الحقيقيون ومن على منصات قنوات إعلامية رصينة بالتسابق على استضافة هؤلاء المشاهير واعتبارهم إعلاميين.إن الحاجة اليوم تبدو أكثر إلحاحاً إلى إعادة تعريف المفاهيم، والتمييز بين الإعلامي، وصانع المحتوى، والمؤثر الرقمي، حفاظاً على قيمة الإعلام الحقيقي، وحماية للمجتمع من الفوضى المهنية التي تذيب الفروق بين التخصص والشهرة، فالمشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي ذاتها، بل في غياب المعايير التي تحفظ لكل مهنة هويتها، ولكل لقب معناه. وهذا يعني أن المرحلة الحالية تتطلب بناء وعي مهني جديد يفرّق بين “التأثير” و”الإعلام”. فليس كل مؤثر إعلامياً، كما أن الإعلام الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بقدرته على صناعة الوعي، واحترام الحقيقة، وتحمّل المسؤولية الاجتماعية، وهو الأمر الذي تفتقر له مع الأسف الكثير من حسابات مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي.
أ.د فهد مطلق العتيبي – جريدة الرياض
