تداول المريدين, والمحبين, للشيخ السوداني, الأمين عمر الأمين, مقال قام بكتابته تحدث فيه عن الشخص “الحاسد”, محذراً من التعامل معه.
وبحسب رصد ومتابعة محرر موقع النيلين, فقد قال الشيخ, في مقاله الذي جاء بعنوان (كيف تعرف الحاسد) وحظي بتفاعل واسع من المريدين:
ليس كل من اقترب منك أحبك، ولا كل من ابتسم في وجهك كان نقيَّ القلب تجاهك، فبعض النفوس تُخفي خلف الكلمات اللطيفة غيرةً صامتة، وحسدًا يتآكل في الداخل كلما رأى نعمةً عند غيره. والحاسد مهما تزيّن بالمودة لا يستطيع أن يُخفي أثر ما في قلبه طويلًا، لأن المشاعر الحقيقية تفضح أصحابها عند المواقف والكلمات ونظرات العيون.
ان الحاسد يعرف بثلاث علامات لا تخطئها عين البصيرة، فمهما أتقن التمثيل وأجاد إخفاء ما في صدره، فإن ملامحه تفضحه، وكلماته تكشفه، وتصرفاته تنطق بما حاول دفنه في أعماقه.
فالحسد نار لا تحرق صاحب النعمة، بل تلتهم قلب الحاسد قبل غيره، لأنه يعيش متعب الروح، يراقب نعم الناس وكأنها سُلِبت منه.
وإن أول علامات الحاسد كثرة السؤال عن تفاصيل حياتك الخاصة بحجة الاهتمام والحرص عليك، بينما هو في داخله لا يبحث إلا عمّا يزعجك، بل عن مواطن ضعفك، ويتتبع ما يؤلمك وما يقلقك، لأن طمأنينتك تزعجه، وابتسامتك تثقل على قلبه المريض. فالنفوس النقية تفرح لفرح غيرها، أما النفس الحاسدة فإنها تضيق حين ترى إنسانًا ينجح، أو حتى يحاول أن ينجو من الحزن أو يتجاوز أوجاعه بسلام.
ولذلك قال الله تعالى:
﴿وَإِن تَصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾
فبعض البشر لا يؤلمهم سقوطك فقط، بل يوجعهم أنك ما زلت ثابتًا رغم العواصف، وما زلت قادرًا على النهوض كلما ظنوا أنك سقطت.
أما العلامة الثانية فهي التحطيم المستمر والتقليل من شأنك، فهو لا ينتقدك رغبةً في إصلاحك، بل يحاول هدمك ليشعر بشيء من الراحة داخل نفسه الممتلئة بالنقص والاضطراب.
فتراه يقلل من إنجازاتك، ويسخر من أحلامك، ويزرع الشك في خطواتك، لأنه يعلم أن الإنسان الواثق بنفسه يصعب كسره. والحاسد لا يخشى نجاحك بقدر ما يهاب ثباتك النفسي، لأن أكثر ما يهزمه أن يراك مبتسمًا رغم محاولاته النيل منك، شامخًا رغم تقليله، قويًا رغم كل ما يرميه نحوك من كلمات، وحتى أفعال مُحبِطة.
فهو يريد أن يرى انكسارك ليشعر أنه انتصر، لكن تجاهلك له وصبرك عليه أكبر صفعة تؤلمه في صمت.
أما العلامة الثالثة فهي الغيبة والنميمة والطعن في غيابك، فهو أمامك يتحدث بلطف وود مصطنع، وخلف ظهرك ينسج عنك أسوأ الأوصاف ويحاول تشويه صورتك أمام الناس لأنه يعلم في أعماقه أن حقيقتك أجمل مما يستطيع احتماله.
والحاسد غالبًا لا يحارب أخطاءك، بل يحارب النور الذي يراك الناس به، ويحاول أن يطفئ محبتك من القلوب، لأنه عاجز عن الوصول إلى مكانتك.
إن الحاسد لا يدرك أنه أول الخاسرين، لأنه يعيش عمره سجين مقارنة لا تنتهي، ينظر إلى ما في أيدي الناس أكثر مما ينظر إلى نعم الله عليه، فيتعب قلبه، ويضيق صدره، وتتحول حياته إلى مراقبة مستمرة لمن حوله بدل أن يبني نفسه ويرتقي بروحه.
فاحذر من أصحاب الوجوه المتعددة، ولا تمنح مفاتيح حياتك لكل من اقترب منك فليس كل مبتسم صادقًا وليس كل سائلٍ مهتمًا. وكن قريبًا من أصحاب القلوب البيضاء الذين إذا رأوك ناجحًا فرحوا لك، وإذا رأوك متعبًا دعوا لك، فهؤلاء نعمة عظيمة لا تُشترى ولا تُقدَّر بثمن.
واعلم أن صفاء القلب راحة وأن الإنسان كلما امتلأ قلبه بالرضا اتسعت روحه وهدأت نفسه أما الحسد فإنه يأكل الطمأنينة كما تأكل النار الحطب. ولذلك كان من أجمل ما يدعو به المؤمن:
“اللهم طهّر قلبي من الحقد والحسد وسوء الظن”.
ولا تنشغل كثيرًا بإثبات نفسك لكل أحد، فبعض الناس لن يراك بعين الحقيقة مهما فعلت، لأن المشكلة ليست فيك، بل في القلوب التي تنظر إليك. عش نقيًّا، وامض في طريقك مطمئنًا واجعل علاقتك بالله أقوى من كل نظرة حاسد أو كلمة حاقد، فمن كان الله معه فلن يضره مكر البشر ولا سواد نواياهم.
وكما قال الشاعر:
• حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيَهُ.. فالناسُ أعداءٌ لهُ وخصومُ.. ولنا في المسيد بقية.
الخرطوم (كوش نيوز)

