Site icon كوش نيوز

حرب الشرق الأوسط بين الانفراج والانفجار!

لاحظنا أن عبارة “حرب عبثية” أصبحت متداولة في معاجم الدبلوماسية والإعلام بكل أصنافه: الورقي والإلكتروني، كما لا حظنا أن قادة دول الشرق الأوسط بدأوا يشعرون بعد دخول الحرب مرحلة جديدة من التأرجح بين توقع الانفراج وتوقع الانفجار. ولنستعرض بوادر الأمل التي جاءتنا من العاصمة الصينية (بيجين) التي زارها الرئيس الأمريكي (ترامب) وخصته قيادتها بأفخم استقبال وخلاصة الأمل باختصار جاء من اتفاق مبدئي بين العملاقين على صرف النظر الأمريكي عن ملف (تايوان) وصرف النظر الصيني عن ملف إسرائيل ما يعني بكل بساطة تنازلا أمريكيا ولو مؤقتا عن تسليط عقوبات على الصين بتسليح تايوان وتنازلا صينيا عن اعتبار إسرائيل وما تدعيه من حقها في الدفاع عن نفسها شرطا للاتفاق على حل دبلوماسي أمريكي صيني يؤدي في النهاية إلى السلام في منطقة الشرق الأوسط. وطبعا فهم رئيس الحكومة الإسرائيلية أنه أصبح فاقدا للغطاء العسكري والسياسي الأمريكي وأن الولايات المتحدة فضلت السلام الشامل على حماية إسرائيل. ومن جهة أخرى جاء أمل انفراج ثانٍ بالإعلان عن موعد لقمة قريبة تجمع حضرة صاحب السمو بأخيه فخامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتخصيصها لدعم جهود الجمهورية الباكستانية في الوساطة لإنهاء الأزمة، كما تم لقاء بين قادة دول مجلس التعاون خصص لتوحيد مواقف الدول الستة إزاء وضع حد للحرب بالبحث عن وسائل سلمية لفتح مضيق (هرمز) أمام جميع السفن المارة منه مع رفض استعمال المضيق كسلاح حرب! وفي ذلك الأمل الكبير لنزع فتيل الحرب ما دام فتح أو غلق المضيق هو الذي يعيد السلام للمنطقة وللعالم وفي هذا الصدد تؤكد دولة قطر على ضرورة خضوع حرية المرور من المضيق إلى القانون الدولي وحده. ثم لا بد من الإشارة إلى قمة بروكسل التي جمعت قادة دول الاتحاد الأوروبي مع زعماء آخرين من خارج الاتحاد لبحث فرضيتين: إما فتح المضيق بالتشاور الدبلوماسي وإما حشد القوات العسكرية لإنهاء الحرب بالقوة. وفي هذا السياق وجه الرئيس ماكرون حاملة طائرات فرنسية إلى مياه الخليج تحسبا لأي طارئ. ونعود إلى أهم محاور التقرير الذي ذكرناه في بداية المقال فنورد أهم ما جاء في تحليل اشتهر بدقته وتناقلته وسائل إعلام عديدة منها شبكة الجزيرة ونشرة قناة (العربي) وترجمته وكالات غربية عديدة بسبب عمق الرؤية السياسية وصواب التوقعات الإستراتيجية التي منها بدايات تململ لدى المجتمع الأمريكي واعتبار بعض نخبه “الحليف الإسرائيلي” عبئا ثقيلا من الصعب الانخراط في مخططاته وتحمل تداعيات الحرب اقتصاديا وطاقيا (القصد هنا هو نفاد المخزون الإستراتيجي من الوقود) واجتماعيا. وبدأت الكتب المخصصة لهذه الحرب تصدر في عواصم أمريكية وأوروبية لتؤرخ للحظة تاريخية منها كتاب صدر هذا الأسبوع في باريس للكاتب (أوليفيي بو رديووت) بعنوان (حكاية حب وعنف) وكما نعلم فإن حركة النشر في الغرب أسرع بكثير من حركة النشر العربي. وهناك لديهم تصدر الكتب لتواكب اللحظات المفصلية في حرارتها فترى المواطنين هناك في عربات المترو منكبين على كتاب يتزودون بالرأي الحر من كاتب حر. ومن الأحداث اللافتة هذا الأسبوع ما أثاره وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري من ضجة خلال مشاركته في حلقة ببرنامج “ذا بريفينغ” مع الإعلامية والمتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض (جين بساكي) يوم 10 أبريل الماضي حيث كشف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) لطالما حث الإدارات الأمريكية المتعاقبة بداية من (بوش الابن) ثم (أوباما) ثم (بايدن) على شن ضربات عسكرية ضد إيران لكن كل الرؤساء السابقين رفضوا ذلك باستثناء الرئيس (ترامب). تثير تصريحات كيري سؤالا: لماذا لم يُقدِم الرئيس (ترامب) نفسه أثناء عهدته الأولى على تنفيذ طلب (نتنياهو)؟ وهو ما نجد إجابته في مذكرات (مايكل بومبيو) مدير الاستخبارات الأمريكية ووزير الخارجية السابق في حقبة (ترامب) الأولى إذ يقول: “كان وزير الدفاع (جيمس ماتيس) والبيروقراطية في البنتاغون يكرهون إثارة ما اعتبروه عش الدبابير الإيرانية، فقد قال (ماتيس) لي: إذا واجهنا الإيرانيين فإنهم سيُسيطرون على سلم التصعيد وسننتهي نحن في مكان سيئ للغاية. وقبل (ماتيس) سبق لوزير الدفاع الأمريكي في عهدي (بوش الابن) و(أوباما) (روبرت غيتس) أن صرح بأن “نتائج ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية على إيران قد تكون كارثية وستؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية حيث ستدفع البرنامج النووي الإيراني إلى مزيد من التخفي والتعقيد وستطاردنا لأجيال.

ولعلمكم فإن وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (جيمس ماتيس) والبيروقراطية في البنتاغون يكرهون إثارة ما اعتبروه “عش الدبابير الإيرانية”.

وعلى ذات المنوال حذر وزير الدفاع الأمريكي في عهد (أوباما) (ليون بانيتا) في ديسمبر 2011 قائلاً: “سنشهد تصعيداً لن يقتصر على إزهاق أرواح كثيرة فحسب بل أعتقد أنه سيُغرق الشرق الأوسط في مواجهة وصراع سنندم عليهما، وستكون لهذا الهجوم تبعات اقتصادية وخيمة قد تؤثر على اقتصاد أوروبا الهش وعلى اقتصاد الولايات المتحدة أيضاً لذا علينا أن نكون حذرين من العواقب غير المقصودة لمثل هذا الهجوم. ولكن (بومبيو) سخر من تخوُّفات (ماتيس) و(غيتس) و(بانيتا) والبنتاغون قائلاً: “هذه العقلية المزعجة تعتقد أن علينا أن نخاف أكثر من خصوم أمريكا وليس العكس.. لقد كنت واثقاً من قدرتنا على التحكم في سلم التصعيد من خلال تفوقنا الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الهائل وقد انسحب (ترامب) من الاتفاق النووي مع إيران ثم اغتال قائد فيلق القدس (قاسم سليماني) مطلع عام 2020، لكن جاءت أزمة وباء كوفيد لتطغى على غيرها من الملفات إلى حين خروج (ترامب) من البيت الأبيض بعد هزيمته في الانتخابات أمام (جو بايدن). ولكن بغض النظر عن تعليق (بومبيو)، فقد استندت مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تقديرات مواقف ودراسات ناقشت تداعيات شن حرب على إيران، ومن أبرزها دراسة مهمة برعاية رموز من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، نُشرت عام 2012 بعنوان “تقييم فوائد وتكاليف العمل العسكري ضد إيران”. وتأتي أهمية تلك الدراسة من خلفية المُوقِّعين عليها، والبالغ عددهم 32 شخصية جميعهم من المسؤولين السابقين والمتخصصين في قضايا الأمن القومي، وفي مقدمتهم (زبيغنيو بريجنسكي) مستشار الأمن القومي في عهد (كارتر) وأحد أبرز منظري الجغرافيا السياسية الأمريكيين ووزير الدفاع في عهد أوباما (تشاك هيغل) و(بول فولكر) رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي و(ريتشارد أرميتاج) نائب وزير الخارجية السابق و(نيكولاس بيرنز) السفير الأمريكي لدى حلف الناتو ثم الصين.

د. أحمد القديدي – الشرق القطرية

Exit mobile version