Site icon كوش نيوز

النصب بـ«اسم الدين»

يتداخل تاريخ الاعتقاد بالخرافة والاتجار بالدين فى مصر تداخلا متشابكًا بشكل يدعو للتأمل، فالشعب المصرى بطبيعته شعب طيب، يؤمن بالإله منذ فجر التاريخ، ويوقر من يحدثه باسم الدين، وفى نفس الوقت لا يملك الكثيرون من أبنائه عبر مراحل التاريخ المختلفة القدر الكافى من التعليم والانفتاح على العالم والذى ينمى لديهم ملكة (التفكير النقدى) والتى تعنى قدرة المواطن على مراجعة ما يطرح عليه باسم الدين. على مدى التاريخ المصرى وفى عالم القرية مثلا سنجد تجاورا بين عالمين أحدهما عالم الظلام والآخر عالم النور، فالفلاح المصرى يؤدى فروضه ويحتفل بالمواسم الدينية ويغتنم الفرصة لزيارة مقامات الصالحين وآل البيت وهذا هو عالم النور، أما فى نسق سفلى فقد كان الريف يسوده الاعتقاد بالقوى الخرافية والأشباح والأرواح وكان أفضل تعبير عن هذا هو اعتقاد الريفيين بـ(النداهة) التى هى اسم لجنية غامضة تجذب من تريد إلى عالمها أو (تندهه) فيذهب عقله، وقد خلد الكاتب العظيم يوسف إدريس هذا الاسم حين أطلقه على رواية قصيرة من رواياته تحولت إلى فيلم سينمائى شهير.. وإلى جانب النداهة كان يسود الاعتقاد فى السحر الأسود وقدرة الجن على الإيذاء وغير ذلك مما تذخر به الكتابات عن الريف المصرى القديم، وقد تطور ذلك الاعتقاد بالخرافة مع التطورات السياسية المختلفة التى شهدها المجتمع المصري.. فمع فترة السبعينيات وصعود تيارات الإسلام السياسى والتيارات التى تدعى السلفية وتستخدمها استخدامًا سياسيا يخرجها عن طبيعتها كمذهب فقهى ينادى بالعودة للأصول الصافية للدين، مع هذا الصعود المدعوم سياسيا من قوى اقليمية معينة شاع الاعتقاد بسيطرة الجن والعفاريت على كثير من المواطنين الذين يعانون مشكلات نفسية معينة، وتم تفسير الايات القرانية النى تخبرنا بوجود هذه المخلوقات تفسيرا خاطئا، وادعى عدد كبير ممكن يتحدثون باسم الدين قدرتهم على شفاء المواطنين من تلك المشكلات التى ألمت بهم، وأن لهم قدرات خاصة تمكنهم من هذا، ولم يكن ذلك سوى وسيلة لكسب المال من ناحية، ولتحقيق النفوذ الاجتماعى والسياسى لهذه الجماعات التى تدعى السلفية من ناحية أخرى، ولم يكن ذلك بعيدا عن تراجع قدرات الدولة عن تقديم خدمات الصحة النفسية للمواطنين الذين اخذت أعدادهم فى التزايد وكان من الشائع جدا فى الثمانينيات أن تجد إعلانات تتحدث عن أشخاص يدعون قدرتهم على العلاج من مس الجن، ولم يكن ذلك قاصرًا على دين معين، فقد تنافس بعض رجال الدين من مختلف المذاهب والأديان لتقديم مثل هذه الخدمات.

الدجل والدين

تداخلت هذه الظاهرة القادمة من العصور السحيقة مع ظاهرة أخرى فرضها صعود الاتجار بالدين..هى ظاهرة (أسلمة العلوم) والادعاء بأن كل العلوم الحديثة لها أصول فى القرآن الكريم، بحيث ادعى البعض أن القرآن الكريم هو كتاب طب، وهندسة، وكيمياء، واقتصاد. وذرة فى نفس الوقت، وقد كان أول من أطلق هذه الفكرة على نطاق واسع هو الدكتور مصطفى محمود الكاتب والإعلامى الشهير، الذى تزامن صعوده مع حكم الرئيس الراحل أنور السادات لمصر، ورغبته فى تمكين التيارات الإسلامية من السيطرة ظنا منه انه بذلك يوازن بها نفوذ أعدائه من الناصريين واليساريين، وقد طرح د. مصطفى أفكاره لأول مرة على صفحات مجلة صباح الخير عام 1969 تحت عنوان (نحو تفسير عصرى للقرآن الكريم) وقد تصدت له الدكتورة عائشة عبد الرحمن أستاذة الدراسات الإسلامية بالأزهر على صفحات الأهرام، وقالت إن ما يقوله يشكل إساءة كبيرة للدين الإسلامى، لان القران ثابت وحقائق العلم متغيرة، ورأت فيما يقوله تشابها مع بعض أفكار الديانة البهائية، وكان راى د عائشة امتدادا لرأى الإمام الأكبر محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر الذى كان قد تصدى لمثل هذه الأفكار قبل رحيله، ولم تمض سنوات قليلة حتى أدى تطبيق فكرة أسلمة العلوم فى مجال الاقتصاد إلى كارثة شركات توظيف الأموال، والتى خرجت من رحم جماعة الإخوان الإرهابية متسترة باسم (الاقتصاد الإسلامى)، وبسبب حب المصريين القطرى للدين، فقد سارعوا بإيداع مدخراتهم لدى هذه الشركات التى تزايد عددها، وقام اصحابها بتبديد أموال المودعين والمضاربة بها فى البورصات الأمريكية وإنفاق الكثير منها فى أنماط حياة ترفية فاحشة ما أدى إلى ضياع مدخرات نصف مليون أسرة من الطبقة الوسطى المصرية جمعها معظمهم من العمل خارج الوطن.. ما أدى إلى كوارث اجتماعية وحالات وفاة وانهيار أسر كاملة، فضلا عن إهدار فرصة تاريخية للتنمية بأموال المصريين من خلال مشروعات رشيدة.

الترويج للخرافات

لم تكن هذه الظاهرة سوى تطبيق عملى لتصديق المصريين لخرافة توظيف الأموال الإسلامى على يد عدد من تجار العملة الذين حركتهم جماعة الإخوان.. ينطبق الأمر نفسه على أنواع أخرى من النصب والترويج للخرافة أو للعلم الزائف.. كان منها الترويج لما يسمى الإعجاز العلمى فى القرآن على يد بعض المنتمين لجماعة الإخوان والذين استغلوا حماس بعض الدول الثرية لإجراء مثل هذه الابحاث ليقدموا عددا من الابحاث المفبركة التى لم يثبت صحة اى منها علميا..

فضلا عن عدم حاجة القرآن الكريم لمن يثبت احتواءه على حقائق العلم كونه معجزة فى حد ذاته وكونه ايضا كتاب خالد عبر الزمن، ومن رحم فكرة أسلمة العلوم أيضا خرجت فكرة الطب الإسلامى والنبوى التى تعاملت مع كتاب الله على انه كتاب طب، ونسبت له عدد من الافتراضات الطبية الساذجة ثبت عدم صحتها وإساءتها للدين نفسه مثل الإدعاء بأن (إفرازات العرق) تعالج العمى وانفصال الشبكية!! أو الادعاء بأن فاكهة التمر تشفى من مرض السرطان! أو الادعاء بأن النبى الكريم كان له نظام غذائى خاص (ريجيم) يحافظ عليه ويؤدى الالتزام به لإنقاص الوزن.. ولم تكن كل هذه الترهات سوى ادعاءات من (نصاب)ينتمى لجماعة الإخوان أراد استغلال مناخ صعود التيارات الدينية وسخاء التمويل الذى يقدم لها ووجد فى أفكار د. مصطفى محمود الأساس الفكرى الذى يمكن أن يستند له فى النصب وخداع المصريين وترويج هذه الخرافات على أنها حقائق علمية.. ولم يكن الطبيب الأخير الذى تشغل أخباره الجميع سوى موجة أخرى من موجات النصب باسم الدين، فالحقيقة أن سبب ذيوع أفكار هذه الطبيب الراحل هو انتحاله لعدد من الآيات والأحاديث النبوية وادعاءه أنها تؤيد النظام الغذائى الذى يقنع الناس به نظير أجر كبير وبالرغم من تحرك وزارة الصحة ونقابة الأطباء إلا أننا لم نر تحركا من المؤسسات الدينية الرسمية لإيضاح أفكار هذا الرجل وادعاء وجود سند دينى لما يقول.. ولعل هذا يشكل فى حد ذاته علامة استفهام كبيرة نتمنى الاجابة عليها فى قادم الأيام.

وائل لطفي – بوابة روز اليوسف

Exit mobile version