Site icon كوش نيوز

القرآن بين التلاوة والحضارة

القرآن الكريم

في عالم تتراص فيه النصوص على حساب المعنى، يبرز القرآن الكريم ككتاب محفوظ في صدور أتباعه، وهو يحمل رؤية متكاملة للإنسان وللحياة وللعالمين! من هنا، يأتي كتاب «كيف نتعامل مع القرآن؟» للداعية الأزهري والمفكر الإسلامي «محمد الغزالي»، ليعيد طرح سؤال جوهري: ما طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط المسلم بكتاب الله؟ وعلى الرغم من قِدم صدوره، فهو لا يزال يحظى بأهمية خاصة في سعيه نحو تجديد علاقة المسلم بالقرآن، والإبقاء على جذوة الإيمان حاضرة في عقله ووجدانه، إضافة إلى حضوره اللفظي ترتيلاً، والثقافي في الذاكرة الجمعية الدينية. ينطلق الغزالي من ملاحظة مؤلمة مفادها حضور القرآن في حياة المسلمين حضوراً شكلياً في الأعم، إذ يغيب أثره العميق في التفكير والسلوك والحضارة، فعلى الرغم من إدامة تلاوته وحفظه وعقد المسابقات والاحتفالات على مقامه، إلا أن تأثيره في بناء العقل المسلم ونمو المجتمع يبدو أضعف مما ينبغي، ومن هنا يطرح فكرته الأساسية التي تحدد المشكلة، لا في القرآن الكريم، بل في طريقة التعامل معه! ففي حديثه عن بقاء النص وغياب المعنى، يشرح الغزالي أن هجر القرآن لا يقتصر على ترك قراءته، بل قد يتخذ صوراً متعددة، فقد يُقرأ دون تدبر، أو يُفهم فهماً مجتزئاً عن سياقه الكلي، أو يُحصر في دائرة الشعائر دون أن يمتد إلى ميادين الفكر والعمل، وبهذا يتحول القرآن من قوة فاعلة تحرّك الحياة إلى نص مقدّس معزول عن حركة الواقع. عليه، يرى أن هذا الانفصال أدى إلى نتائج خطيرة في تاريخ المسلمين، كضعف الوعي الحضاري، وتراجع الاجتهاد الفكري، وظهور قراءات ضيقة لا تستوعب عمق الرسالة القرآنية الهادية الشاملة، وهو في دعوته للعودة إلى القرآن كمشروع نهضوي ومعرفي وحضاري، لا يدعو للاكتفاء بالتلاوة أو التعبّد أو الوعظ، بل باعتباره مصدراً لرؤية فكرية متجددة تشمل الإنسان والمجتمع والتاريخ والكون. ولهذا فإن القراءة الحقيقية للقرآن يجب أن تجمع بين التلاوة والفهم والتدبر، وأن تربط النص بواقع الإنسان وأسئلته المعاصرة، فمع تزامن قراءة القرآن بهذه الروح، يتحول في قوته إلى طاقة خلاقة تبلور العقل المسلم، وتدفعه إلى التفكير في قضايا الإنسان الكبرى. ومن الأفكار المركزية التي يتناولها الغزالي في خضم حديثه عن القرآن والعقل، دعوته إلى التفكير. فالقرآن في نظره لا يعارض العقل بل يوقظه، والخطاب القرآني يزخر بالدعوة إلى التفكّر، والتدبّر، والنظر في الكون، والتأمل في سنن التاريخ وحركة المجتمعات. ومن ثم فإن العلاقة بين القرآن والعقل ليست علاقة خصومة بل علاقة تكامل، مستدلاً بنشأة الحضارة الإسلامية التي ازدهرت في بيئة فكرية متأثرة بروح القرآن، حفّزت بدورها حركة العلم والبحث والمعرفة، غير أن مع تراجع هذا الوعي وابتعاد المسلمين عن القراءة المتدبرة، ضعف حضور العقل النقدي في أروقتها، وتقلصت مساحة الإبداع الفكري. وعن قوانين التاريخ، يولي الغزالي اهتماماً خاصاً بما يسميه السنن القرآنية، أي القوانين التي تحكم حركة الحياة والتاريخ كما يكشفها القرآن، وهو إذ لا يكتفي بسرد القصص أو توجيه المواعظ، يبين أن للأمم مسارات تحكمها سنن، مثل العدل والظلم، والقوة والضعف، والعمل والكسل، وإن إدراك هذه السنن يمنح الإنسان قدرة على قراءة التاريخ قراءة واعية، ويمنع الوقوع في التفسيرات السطحية للأحداث، فالنصر والهزيمة ليسا مصادفات عشوائية كما يشير القرآن، إنما نتائج مرتبطة بقيم المجتمعات وأفعالها. أما عن شمول الرؤية القرآنية، فيؤكد الغزالي أن القرآن يقدم رؤية شاملة للوجود، بحيث لا يعالج جانباً واحداً من حياة الإنسان، بل يجمع بين العالمين المادي والمعنوي، فهو حين يدعوه لعبادة الله وحده، يحثّه في الوقت نفسه على الضرب في الأرض، واكتشاف قوانين الطبيعة، وبناء المجتمع على أساس العدل. ومن هنا، يُفقد اختزال القرآن في دائرة الوعظ الأخلاقي أو الأحكام الفقهية وحدها، طبيعته الكلية، التي يخاطب من خلالها الإنسان ككائن يعيش في عالم مركّب، يحتاج إلى الهداية الروحية كحاجته إلى الوعي العقلي والاجتماعي.يصل الغزالي في نهاية تحليله إلى نتيجة هامة مفادها أن التدبر الحقيقي للقرآن هو ضرورة حضارية، فالأمم التي تفقد مرجعيتها الفكرية تضيع في تقليد الآخرين أو تتقلب في صراعات داخلية لا تنتهي، في حين أن ترسيخ مقام القرآن كمصدر للفهم والتوجيه، يمنح المجتمع بوصلة أخلاقية وفكرية تساعده على تجاوز الأزمات. على هذا، لا يصبح القرآن كتاباً تاريخياً، إنما خطاباً مستداماً يفتح للإنسان آفاق للتفكير والعمل، ويذكّره بأن الإيمان به مسؤولية في إصلاحه. في نهاية المطاف، يستمر القرآن الكريم عصيّاً على الزمن، فلا يهرم سوى التعامل البشري معه، ومن هنا تتجلى قيمة هذا الكتاب الذي لا يضيف تفسيراً جديداً بقدر ما يحفّز الهمة نحو تجديد مكانة القرآن الكريم في تشكيل العقل والضمير والحياة، فعندما تستعيد الأمة علاقتها الحية بكتاب الله، فإن الإيمان لا يتجدد في القلوب وحسب كذكرى محفوظة من التراث، بل كنور متجدد يستضيء به الفكر ويهدي الخطى في كل زمان ومكان.

الكتاب: كيف نتعامل مع القرآن؟

المؤلف: محمد الغزالي

الطبعة: (1) 2003

عدد الصفحات: 226

التصنيف :الدين الإسلامي

موضوع الكتاب :القرآن بين التلاوة والحضارة

مها الغيث – الشرق القطرية

Exit mobile version