آراء

بالله هذي كوميديا؟!

مع أنَّني لم أعدْ متحمِّسًا لمشاهدة البرامج التلفزيونيَّة في السَّنتَين الأخيرتَين، حيث أصبح أهتمامِي منصبًّا على الاستمتاع بالعبادة، والأجواء الرمضانيَّة، إلَّا أنَّه لا بُدَّ وأنْ تقعَ عينك وأنت تتقهوَى مع الأهل بعد الإفطار، أو صلاة التَّراويح على إحدى المسلسلات المحليَّة، والتي تظنُّ لوهلةٍ وأنت تشاهد البرونو، أو التتر أنَّها مسلسلات مُعادة من الأعوام الماضية، قبل أنْ تُصاب بغثيانٍ من فرط السطحيَّة، ثقالة الدَّم، الأفيهات السَّمجة والمكرَّرة!!لقد انحدرت الكوميديا المحليَّة، بفعل: الشلليَّة، والنُّصوص الضَّعيفة الأقرب للمسرحيَّات المدرسيَّة، وهيمنة «النوستالجيا»، وهي الارتباط بالأعمال الكلاسيكيَّة مثل «طاش ما طاش»، و»خلك معي»؛ ممَّا يضع الأعمال الجديدة في مقارنةٍ ظالمةٍ، تجعل المشاهد بدلًا من الضَّحك يتساءل: (بالله هذي كوميديا)؟!من الأعمال المحليَّة التي وقعتْ عيني عليها، مسلسل «يوميَّات رجل متزوِّج»، و»كوميدي تانا»، و»آخر كلام»، وفي اعتقادي أنَّ النجوم السعوديِّين يمتلكُونَ خفَّةَ الظِّلِ، والحسَّ الكوميديَّ، مثل: أسعد الزهراني، إبراهيم الحجاج، حبيب الحبيب، محمد العيسى، وغيرهم، لكنَّ المشكلة الكُبْرى تكمنُ في الارتجال والسطحيَّة، حيث يتوَّهم الواحد منهم أنَّه أمام أصحابه، أو أفراد عائلته فيكرِّر الكاركتر، والأفيه من نفسه حدَّ الابتذال والسَّماجة!!المشكلة الكُبْرى تكمنُ أيضًا، في الشلليَّة التي قسَّمت الفنَّانين السعوديِّين إلى شللٍ شبه متناحرةٍ، كل واحد ما يمثِّل مع الآخر، وكل واحد له كتابه، وطاقم عمله، ومنتجه، وهذا الخللُ الجوهريُّ يمنع تلاقح الأفكار والخبرات والمواهب، ويمنعُ دمجَ الأجيال المتلاحقة، التي يمكنُها خلق كادرٍ قويٍّ في كلِّ الأدوار، كما لو نرى ناصر القصبي، وعبدالله السدحان بأدوارٍ ثانيةٍ مع حفظ مكانتهم الفنيَّة الكبيرة عند عرض اسمائهم بتتر المقدِّمة.

المشكلة الكُبْرى تكمنُ كذلك، في ضعف النُّصوص الدراميَّة والكوميديَّة، واعتمادها على أسماء معيَّنة أو محسوبة، وسبق وطالبتُ بمنح الفرصة لكُتَّاب الرَّأي -وأنا مستعدٌّ لذلك- لتقديم ما لديهم من كتابات مُلهمة، وأفكار عميقة، تعتمدُ على كوميديا الموقف المبنيَّة على رسائل دراميَّة رصينة، لا على «النكتة المباشرة»، أو الحركات الصبيانيَّة المفتعلة، التي تشعرُكَ -أحيانًا- بأنَّك أمام تكيَّة شلَّة عربجيَّة يجلسُونَ على كبوت سيَّارة بحارةٍ قديمةٍ!!

إنَّنا إذا ما أردنا خلق أعمالٍ دراميَّةٍ وكوميديَّةٍ، تخاطبُ عقول النَّاس، وتحاكي همومهم، لا غرائزهم، علينا أنْ نفصِّخ عباءةَ «طاش ما طاش»، و»خلَّك معي»، التي سيطرت على عقول المشاهدِينَ سنواتٍ طويلةً، علينا أنْ نقيِّد النجوم الكوميديِّين بأدوارهم المكتوبة على الورق، علينا أنْ نُلغي الغاية التجاريَّة، ونهتم بالغاية الفنيَّة والأدبيَّة، حينها ستصدحُ ضحكةُ المشاهد من القلبِ، وبدلًا من النَّقد يضحك مردِّدًا: (إي بالله هذي الكوميديا)!!

أحمد عجب – جريدة المدينة
تاريخ النشر: 25 فبراير 2026

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى