غرابة أمريكا كقوة عُظمى!

لا شىء عاديا فى قصة الولايات المتحدة. نحن، كمعاصرين، ألفنا حالة الهيمنة الأمريكية على العالم إلى حدٍ يجعل من الصعب علينا الشعور بغرابة واستثنائية هذا البلد، لا سيما من الناحية الجيوسياسية. الأعجب فى قصة أمريكا أمريكا، هو ما حازته من قوة كاسحة وهيمنة غير متوقعة على الشؤون العالمية. لو أن شخصاً عاد إلى القرن السابع عشر وتأمل المشهد العالمى ما توقع على الإطلاق أن تكون أمريكا، وبالذات الجزء الشمالى من العالم الجديد، هى القوة المهيمنة على العالم كله بعد ثلاثة قرون.
أمريكا بعيدة عن كل شىء فى العالم. مازلت كذلك حتى بعد ثورة المواصلات الحديثة. هى أيضا معزولة عن العالم وسط محيطين. كل ما أنتجته البشرية من حضارة وثقافة وعلم خرج من الكتلة الأوراسية الكبرى. الأديان العالمية – التى يعيش فى ظلها أغلب سكان المعمورة اليوم- خرجت من هذه الكتلة أيضا. الإمبراطوريات العالمية من روما إلى الصين إلى الإمبراطورية الإسلامية، وانتهاء بالبريطانية.. تأسست فى أوراسيا. لا شىء فى عام ١٦٠٠ يحمل المرء على التنبؤ بأن هذه الأرض البعيدة عن العالم المعروف، المعزولة بين المحيطات، سوف تؤسس الإمبراطورية الأقوى – ربما- فى التاريخ العالمى!.
وتزداد الغرابة بمقارنة أمريكا الشمالية بالجزء اللاتينى. هذا الجزء الجنوبى كان مُرشحا فى القرن السابع عشر ليُشكل قوة كبرى، ذلك أنه كان يحتوى المورد الأغلى على الإطلاق فى العالم فى ذلك الوقت: الفضة. ولكن قصة الفضة ما لبثت أن أسهمت فى صعود إسبانى برتغالى قصير الأجل، ثم انطفاء فانزواء لهاتين الإمبراطوريتين.
قصة أمريكا مليئة بالمتناقضات. هى بلدٌ أسس تجربته وقصة ميلاده كأمة على الخروج من ربقة الاستعمار (التحرر من التاج البريطانى فى نهايات القرن الثامن عشر). ثم ما لبث هذا البلد، الذى تأسس على فكرة تقرير المصير، أن مارس استعماراً – متوحشاً فى بعض مظاهره- ضد السكان المحليين بهدف التوسع غرباً، والتحول إلى قوة قارية من الأطلنطى إلى الباسفيك. من دون هذا التوسع «الاستعمارى»، ما كان لأمريكا أن تحوز مقومات القوى الكبرى المهيمنة.
وبرغم أن أمريكا تأسست على أفكار أوروبية وأديان قادمة من العالم القديم، بل وبأيدى مهاجرين قادمين من أوروبا، إلا أنها لا تشبه أوروبا سوى فى الظاهر. هى تجربة فريدة مختلفة. ليس أدل على ذلك من أن القارة الأوروبية، إلى يومنا هذا، لا يهيمن عليها مركز سياسى واحد. معضلة أوروبا، كما تظهر بجلاء اليوم، تكمن فى العجز عن الحشد الإجمالى لمواردها وتوجيهها لسياسة دفاعية وخارجية موحدة. ولا ينتهى التمايز بين التجربتين عند هذا الحد، فالولايات المتحدة تجربة فريدة فى الفيدرالية، فيما الدول الأوروبية فى أغلبها مركزية. والتجربة الأمريكية لا مثيل لها فى توحيد الثقافة وصهر البشر فى بوتقة واحدة – على اختلاف ألوانهم وأعراقهم- فيما أوروبا مازالت تتحدث لغاتٍ مختلفة، وغنية بالثقافات المحلية التى يفخر أهلها بها من دون مظلة ثقافية ولغوية جامعة. فى الظاهر، تبدو الولايات المتحدة امتداداً للتجربة الأوروبية على أرض بعيدة فى العالم الجديد. فى العُمق، تتجلى الولايات المتحدة ككيان مختلف تماماً فى شخصيته القومية وثقافته السياسية.
وإن كان هناك من يقول إن الموارد الهائلة التى أتاحها العالم الجديد مثّلت الركيزة التى انطلقت منها الولايات المتحدة لتبوء مكان القوة العظمى، فإن ذلك مردودٌ عليه بأن هذه الموارد نفسها كانت لتدفع أغلب الأمم للانكفاء على الذات وطلب العزلة عن العالم بمشكلاته وصراعاته. غير أن الولايات المتحدة كانت، منذ القرن العشرين، أبعد عن الانكفاء والاكتفاء. بل هى انخرطت فى العالم، واشتبكت فى صراعاته، وصولاً إلى احتلال مركز القيادة والهيمنة فيه، وبمسافة بعيدة عمن يلونها.
هل كان هذا الدور الأمريكى محتوماً؟ هل ثمة شىء مصيرى دفع بالولايات المتحدة دفعاً إلى مسار الخروج من عُزلة المحيطات إلى الهيمنة على المعمورة؟ بعض الأمريكيين يؤمنون بهذا. بلدهم، فى نظرهم، تحرسه العناية الإلهية ويرسم خطواته مصير محتوم. أمريكا مُقدر لها أن تكون «مدينة فوق التل» ينظر لها الآخرون باعتبارها المثل والنموذج. هى ليست مثل الأمم الأخرى، بل مثالٌ لا يتكرر، ونموذج يُحتذى ويُسار على هُداه. هذه القناعة الراسخة لدى الكثير من الأمريكيين تجد تفسيرها فى غرابة تكوين هذه القوة الأمريكية وغرابة المسار الذى اتخذته عبر تاريخها القصير من العدم الجيوسياسى إلى الإمبراطورية المُهيمنة، إذ شاءت لها الأقدار أن تُنقذ العالم مرتين من براثن إمبراطوريات لا تعرف الرحمة، كالألمانية واليابانية. هذه القناعة ذاتها هى التى دفعت «ترامب» لقولها صراحةً فى وجه مضيفيه الأوروبيين قبل أسبوعين فى دافوس: لولانا لكنتم تتحدثون الألمانية!.
إن واحداً من أسباب شعور الناس بالصدمة والاستغراب والاندهاش الشديد إزاء الطريقة التى يتعامل بها دونالد ترامب على الساحة العالمية فى أيامنا هذه يرجع إلى إغفال حقيقة «غرابة أمريكا» نفسها كقوة عظمى. أغلبنا صار يتعامل مع أمريكا باعتبارها دولة عادية تتبوأ مكان الصدارة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، وليس قوة عجيبة فريدة فى تركيبها ومسارها التاريخى وطريقة ممارستها للقوة.
غرابة ترامب – إن جاز التعبير- ليست سوى فرع من غرابة أمريكا نفسها. هى لا تُشبه أى إمبراطورية أخرى عرفها التاريخ. تستخدم أدوات شبيهة، وعلى رأسها القوة العسكرية، لكنها لا تستخدم هذه القوة العسكرية لاستخلاص الموارد أو الهيمنة المباشرة على البشر، كما كان الحال فى كافة الإمبراطوريات التى عرفها العالم. تعيش فى عزلة بين المحيطات، لكنها حاضرة بقوتها العسكرية الضاربة فى كل مكان فى العالم. تتأرجح بين الاكتفاء بمواردها والانكفاء على ذاتها، وبين الانخراط فى شؤون العالم والاشتباك فى تنافس ضارٍ مع القوى الكبرى فيه. هذه «الغرابة الأمريكية»، المُفعمة بالتناقضات، هى ما تجعل «ترامب» يبدو غير مألوف فى أسلوبه وممارسته للسياسة وبسطه للنفوذ. أمريكا كانت دوماً هكذا، عجيبة واستثنائية. ترامب فقط يُذكر بهذه الحقيقة بعد سنوات طِوال من الاعتياد والائتلاف مع شكل معين – مستديم ومستقر- للقوة الأمريكية ومظاهرها فى العالم. هذا الشكل نفسه يتغير اليوم.
جمال أبوالحسن – المصري اليوم
