في مشهد يعكس تعقيدات الصراعات الإقليمية وتداخل المصالح في السودان، يبرز انتقال شركة طيران أوكرانية من أوغندا إلى كينيا كخطوة قد تحمل أبعاداً تتجاوز الصعوبات التشغيلية، فبينما يُعلل الانتقال بالقيود الأوغندية والانحياز الروسي المحتمل، يتزامن مع تحركات لوجستية غامضة في دارفور واجتماعات سرية في نيروبي.
هل نحن أمام عملية لوجستية روتينية لشركة تعمل مع الأمم المتحدة، أم أن هذا الانتقال يمثل ترسيخاً لخط إمداد جديد لدعم الميليشيا المتمردة في السودان؟ تفتح هذه التحركات، جنباً إلى جنب مع اتهامات بالتواطؤ الكيني، الباب أمام أسئلة كبيرة حول تحول كينيا إلى محور حيوي في صراع إقليمي تتقاطع فيه الأجندات الدولية مع الصراعات المحلية.
“يوكرينيان هليكوبترز” تغادر أوغندا إلى كينيا
في الأشهر الأخيرة، بدأت فرق “Ukrainian Helicopters”، المزود الخاص للخدمات الجوية الذي تستخدمه الأمم المتحدة بانتظام، العمل في نيروبي، وأصبحت العاصمة الكينية الآن قاعدة لوجستية لأنشطة الشركة في شرق أفريقيا بعد أن نقلت الإدارة هذا الفرع من أوغندا، ويرجع الانتقال إلى كينيا جزئياً إلى الصعوبات التي واجهتها الشركة مع سلطات أوغندا.
فقد فرضت سلطات أوغندا قيوداً صارمة على الرحلات الجوية، خاصة في الليل، مما أعاق قدرة الشركة على إجراء الاختبارات الجوية المخطط لها، بالإضافة إلى ذلك، لم تساعد العلاقات الدافئة بين نظامي الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني والرئيس الروسي فلاديمير بوتين شركة Ukrainian Helicopters”، نظراً لسياق الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
وفي فبراير 2025، قرر مساهمو “يوكرينيان هليكوبترز” فلاديمير تكاتشينكو وأنتون تكاتشينكو مغادرة أوغندا والانتقال إلى كينيا، الشركة هي مقاول للأمم المتحدة، حيث نشرت أسطولها من طائرات الهليكوبتر من نوع Mi-8MTV-1 في مالي لبعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام (مينوسما). بالإضافة إلى ذلك، لا تخفي الشركة دعمها للجيش الأوكراني، من خلال تمويل وتوريد المعدات العسكرية.
وفي سياق متصل، ونقلا عن صحيفة “Africa Intelligence”، إلتقى قائد ميليشيا الدعم السريع المتمردة، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بمستشار رئيس جمهورية جنوب السودان للشؤون الأمنية، توت قاتلواك مانيمى، وتم الحفاظ على التوقيت الدقيق ومكان اللقاء في طي الكتمان، ومع ذلك، أكدت عدة مصادر سودانية وجنوب سودانية ودبلوماسية أن لقاءً غير رسمي عُقد في نيروبي أواخر يناير بين حميدتي، وتوت قاتلواك مانيمى.
نشاط غير مألوف لطائرات شحن في نيالا
وفي سياق ذو صلة، كشف الباحث والمحلل المتخصص في تتبع النزاعات ريش تييد عن نشاط غير معتاد لطائرات شحن ضخمة في مطار نيالا بولاية جنوب دارفور، مشيراً إلى أن هذا التحول قد يعكس تغييراً في استراتيجية النقل الجوي بالمنطقة.
وأوضح تيد في تقريره الصادر الثلاثاء أن طائرات شحن من طراز إليوشن 76 وبوينغ 727 بدأت بالوصول والمغادرة خلال ساعات النهار، وهو ما وصفه بالأمر “غير المألوف”، إذ كانت هذه الرحلات تُسيّر عادة تحت جنح الظلام لتجنب الرصد والملاحقة. وأضاف أن ظهورها العلني في وضح النهار يشير إلى تطور جديد في العمليات اللوجستية الجارية بالإقليم.
ويُعرف ريتش تيد بكونه خبيراً في تتبع مصادر الاستخبارات المفتوحة (OSINT)، حيث يركز على رصد وتحليل التحركات العسكرية واللوجستية في مناطق النزاعات، وخاصة الملف السوداني. كما يتميز بدقته في تتبع أرقام تسجيل الطائرات ومسارات الرحلات الجوية التي تنقل الشحنات إلى المناطق المضطربة، ويعتمد في تقاريره على مقاطع الفيديو المسربة وصور الأقمار الصناعية، ما جعله مرجعاً للمهتمين بتطورات التسليح والإمداد في صراع دارفور.
خط دعم لوجيستي جديد عبر كينيا يرعاه الأوكران
من جهته، يرى المحلل السياسي الدكتور حامد عارف أن نقل الشركة الأوكرانية للخدمات الجوية إلى نيروبي لا يرتبط فقط بالقيود التي فرضتها أوغندا على الرحلات الليلية، بل هو جزء من سياق أوسع، ويشير إلى أن هذا الانتقال تزامن مع الظهور المفاجئ لطائرات الشحن في نيالا، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول دور أوكرانيا اللوجستي المحتمل في دعم القوات المتمردة بدارفور.
فبعد أن قدمت أوكرانيا دعماً سابقاً يشمل المرتزقة والمسيرات والتدريب، ويرى عارف أن نقل العمليات إلى كينيا، التي تربطها علاقات وثيقة بقائد الدعم السريع حميدتي، يهدف إلى تسهيل إنشاء خط لوجستي جديد، وهذا الخط، عبر كينيا إلى نيالا في معقل القوات، قد يُستخدم لنقل الأسلحة والعناصر الأجنبية.
وفي إطار متصل، ترد اتهامات سابقة من جهات سياسية كينية، أبرزها نائب الرئيس السابق ريغاثي غاشاغوا، للرئيس وليام روتو بوجود مصالح تجارية مشبوهة مع حميدتي، وتسهيل عمليات غسل أموال الذهب التابع لقوات الدعم السريع عبر كينيا، بل ووصفه بالقائد الحقيقي؛ لتلك القوات. هذه المزاعم، وإن كانت تنطلق من خصوم سياسيين، فإنها تُلقي بظلال إضافية على طبيعة الدور الكيني في المشهد الإقليمي المعقد.
السوداني

