موسم هجرة الغرب إلى الصين!
«ومن نكد الدنيا على الحُرِّ أن يرى عدوًا له، ما من صداقته بُد».. هذا البيت لشاعر العربية الأكبر المتنبى يصور إلى حد كبير علاقة الغرب (باستثناء الولايات المتحدة) مع الصين. الخلافات السياسية والإيديولوجية شديدة لدرجة أن من الصعب تسويتها. المخاوف من صعود الصين تصيب أوروبا بالرعب. دعم بكين لموسكو فى حربها مع أوكرانيا، مصدر قلق هائل. تراجع الحقوق السياسية والحريات فى هونج كونج يثير خلافات دائمة.
لكن فى زمن ترامب، لا بد مما ليس منه بُد، كما قال الحجاج بن يوسف الثقفى. سلوك ترامب العدوانى مع دول الغرب المُفترض أنها حليفة لأمريكا واحتقاره لها وفرضه عقوبات اقتصادية عليها فى شكل رسوم تجارية، جعل زعماءها يعتقدون أن التحالف القديم ذهب إلى غير رجعة. تخريبه المستمر لحلف الأطلنطى وإصراره على ضم جزيرة «جرينلاند» الدنماركية، أقنعهم أنهم أمام خصم وليس صديقا. بريطانيا، التى رفضت الاستمرار فى الاتحاد الأوروبى معتقدة أنها مرتبطة بـ«علاقة خاصة» مع أمريكا، استيقظت على كابوس لم تتصوره. ترامب يعاملها كأى دولة أخرى ويفرض عليها رسوما وعقوبات تجارية. كندا الجارة الأقرب لأمريكا، تصورت أن علاقاتها المتشعبة والعميقة، تحميها من «شطحات» ترامب. لكنها أصبحت تخاف على بقائها كدولة بعد أن كرر مرارا رغبته فى جعلها الولاية الأمريكية الحادية والخمسين.
نتيجة كل ذلك، اتجه زعماء أوروبا والغرب إلى الصين لإحداث نوع من التوازن فى العلاقات مع أمريكا. كير ستارمر رئيس وزراء بريطانيا يزور الصين حاليا. نظيره الكندى مارك كارنى كان هناك قبل أيام. خلال الشهور الماضية لم تتوقف زيارات الزعماء الأوروبيين لبكين.. بعد أن كانوا «يحُجون» إلى البيت الأبيض، ولُوا وجوههم شطر «قاعة الشعب الكبرى» فى العاصمة الصينية. لكنهم يمارسون «الشطارة» مع الصين. يبحثون عن فرص تجارية واقتصادية، وفى الوقت نفسه يقولون إنهم لديهم تحفظات بشأن حقوق الإنسان ومحاولات الصين مد نفوذها السياسى والأمنى. يريدون اتباع استراتيجية الانخراط الحذر. أى المسألة تجارة فقط. تُدرك الصين أنهم قدموا بسبب سلوك ترامب. وأيضا للاستفادة من «المعجزة الصينية».
الصين تنتج خُمس الناتج المحلى الإجمالى العالمى، وإنتاجها الصناعى يفوق إنتاج دول مجموعة السبع مجتمعة. تقود العالم فى الطاقة الخضراء وتنافس أمريكا فى الذكاء الاصطناعى. جيم فارلى الرئيس التنفيذى لشركة فورد الأمريكية العملاقة لإنتاج السيارات زار مؤخرا مصانع السيارات الصينية. خرج ليقول: «ما رأيته أشعرنى بالتواضع أكثر من أى شىء آخر فى حياتى. جودة سياراتهم تفوق كثيرا ما أراه فى الغرب. إذا لم نستفد من الصين، ونحسن قدراتنا، لن يكون لشركة فورد مستقبل». الأمر ليس مقصورا على السيارات فقط.
الغرب يريد إرساء شراكات جديدة مع الصين لكن دون اتفاقات تجارة حرة حتى لا تغضب أمريكا وتفرض عقوبات. الصين تدرك ذلك. لكن الأقوى اقتصاديا وتجاريا يفرض شروطه سياسيا. هكذا فعلت أمريكا من قبل. الصين تريد استغلال الفجوة العميقة بين أمريكا وحلفائها. تدرك أيضا أن أوروبا تمارس «الانتهازية». لكن بكين مستعدة للمضى قدما فى المباراة.. ولذلك تواصل استقبال وفود القادمين من الغرب.
عبدالله عبدالسلام – المصري اليوم
