Site icon كوش نيوز

«دعوا الشيبان يأكلون الحلوى»!

نمارسُ أحيانًا مع آبائنا وأُمَّهاتنا كبارِ السنِّ نوعًا غريبًا من «الحُبِّ المُزعج»؛ فبمجرَّد أنْ يتقدَّم بهم العمرُ، نتحوَّل فجأةً من أبناء محبِّين إلى «شرطة طبيَّة»، أو أوصياء صارمِينَ ومسيطرِينَ، نراقبُ حياتهم، ونتدخَّل في شؤونهم؛ وخصوصًا طعامهم: «لا، هذا فيه دَسَم»، «التَّمر ممنوع عشان السُّكَّر»، ونطاردهم بأجهزة قياس الضَّغط صباح مساء، حتى نحوِّل ما تبقَّى من أعمارهم إلى معسكر ضبط أرقام.. ولو على حساب سعادة الرُّوح والنَّفس!.أعرفُ أنَّ هذا الهوسَ يأتي بدافع الحُبِّ والحرصِ، لكن أليسَ من الحبِّ ما قتل كمَا يقولون؟! هذا ما يؤكِّده الطبيبُ النفسيُّ اليابانيُّ (هيديكي وادا) في كتابه المثير للجدل «حاجز الثمانِين»؛ إذ يرى أنَّ القواعد الطبيَّة الصارمة التي قد تنقذ شابًّا في الأربعين، قد تُتعب، بل تُنهِي حياة مُسنٍّ في السَّبعِين أو الثَّمانِين.فكرة الكتاب صادمة؛ وربما مستفزَّة لكثير من مفاهيمنا الطبيَّة والمجتمعيَّة السائدة، لكنَّها تبدو منطقيَّة على نحو ما؛ فالوصول إلى الثَّمانِين -في رأي صاحب الكتاب، الذي انتشر على نطاق واسع- ليس مرضًا يحتاج تشديدًا، بل هو انتصارٌ بيولوجيٌّ يستحقُّ شيئًا من التَّحرير والمكافأة، لا المزيد من المنعِ والتَّضييقِ.. ففي هذا العمر، يصبحُ خطر سوء التَّغذية، والاكتئاب، وضعف العضلات أشدَّ فتكًا من ارتفاع طفيف في الكوليسترول، أو زيادة محدودة في الوزن.

ينصحنا اليابانيُّ النفسيُّ المتخصصُ في علم نفس الشيخوخة، بأنْ نكفَّ عن حرمان كبارِ السنِّ من «لذائذ الطعام» بحجَّة الصحَّة؛ فتناول اللُّحوم مثلًا ضروريٌّ جدًّا لإنتاج «السيروتونين» (هرمون السَّعادة) والحفاظ على ما تبقى من عضلات.. كما أنَّ الامتلاء البسيط في الجسم أفضل بكثير من النَّحافة والهزَال التي قد تجعل أيَّ زكامٍ عابرٍ يقضي عليهم؛ لعدم وجود مخزون طاقة في أجسادهم.. بل يذهب -صاحبُ العيون الضيِّقة- أبعد من ذلك حين يقول:ما قد يزعج كثيرين: «دعوا الضَّغط مرتفعًا قليلًا».. ليس استخفافًا بتأثير ارتفاعه، بل لأنَّ الشَّرايين المتصلِّبة -في رأيه- تحتاج أحيانًا إلى ضخٍّ أقوَى؛ ليصلَ الدَّم إلى الدِّماغ، أمَّا خفض الضغط قسرًا، وبلا تمييز، فقد ينتهي بدوار، وسقوط، وتدهور أسرع ممَّا نتخيَّل.عمومًا.. رسالة الكتاب ليست دعوةً للفوضى، بل لإعادة ترتيب الأولويَّات، ففي خريف العمر، تبدو جودة الحياة أهم من مطاردة الأرقام، وراحة البال أجدى من مثاليَّة التَّحاليل.. وحرمان مُسنٍّ من طعام يشتهيه، أو إيقاظه من نومةٍ هانئةٍ لدواء وقائيٍّ، قد يكون نوعًا من التَّعذيب باسم الحرص.لا أُروِّج لأفكار (وادا) ولا لكتابه، لكنَّه يضع في نهاية الكتاب المثير عبارة تستحقُّ أنْ تُكتب بماء الذَّهب مفادها: «أنَّ السعادةَ ترفعُ المناعةَ، والكبتَ يسرِّعُ الشيخوخةَ»، فالمسنُّ الذي يضحك، ويأكل ما يُحبُّ، ويمارس حياته دون رقيب دائمٍ، أقوى نفسيًّا وجسديًّا من آخرَ يعيش في سجن الممنوعات والمحاذير.

رسالتي لكلِّ ابن أو ابنة يمارسان دور «الوصيِّ الطبيِّ» بحُسن نيَّة: خفِّفوا قبضتكم قليلًا.. اتركُوا لآبائِكم وأُمَّهاتِكم حبَّة تمرٍ، قطعةَ حلوَى، نومةً بلا منبِّه، وضحكةً بلا قلقٍ.. لا تحاصرُوهم بأجهزة القياس، ولا تذكِّروهم بالمرض في كلِّ مجلس، وتذكَّروا أنَّهم يعيشون خريف أعمارهم، فاملأوا هذا الخريف بالحياة والسَّعادة، لا بالقيود، فوالله إنَّ ضحكة رضا صادقة على وجوهِهِم، هي العلاج الذي لن تجدوه في أعتى الصيدليَّات.

محمد البلادي – جريدة المدينة

Exit mobile version