أوروبا في مقاومة «الاستعمار الجديد»

أوروبا أمّ الاستعمار، ومرتكزه، وقارّته التاريخية، تتحدث اليوم بلغة مقاومة «الاستعمار الجديد»، أو «الإمبريالية»، وكلا المسمّيين، المقصود بهما أمريكا، جاء على لسان إيمانويل ماكرون. فأيّ مفارقة مذهلة هذه؟ لكنه التاريخ الذي دار دورته الحتمية الكاملة لنسمع خطاب أوروبا عن تحدّي الاستعمار الجديد الذي لا نعلم حتى الآن مدى استمرارية هذا الخطاب، وصمود المواقف. هذا مع العلم أنه قد مضى على أوروبا زمن (منذ بداية تسعينيات القرن الماضي)، وهي في حالة توصف حضارياً بالانحدار المستمر. الانحدار من القمة والمركز العالمي الأول في الابتكار والتكنولوجيا والصناعة والاقتصاد. كما أنها تعاني أزمات ديموغرافية، وتعيش ارتداداً ثقافياً حضارياً، ببروز اتجاه يميني يقوم خطابه على رفض تعدد الثقافات، وكراهية الأعراق غير البيضاء، وفي هذا يلتقي هذا الاتجاه مع اليمين الأمريكي. لقد رأينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في دافوس، ينتقص من وضع أوروبا، ويسخر من سياساتها في كل مجال، من الاقتصاد والهجرة وحتى الدفاع. ترامب يتهكم على القادة الأوروبيين وسياساتهم،
ويتحدث في المقابل عن سياساته الناجحة، لأنه يود الإشارة إلى أنه زعيم الغرب الحقيقي، أو على الأقل، الأب الأكبر، كما قال حرفياً، للقادة الأوروبيين الذين يتحدّون رغبته في السيطرة على جزيرة غرينلاند. لكن ما هي أدوات أوروبا التي يستضعفها ترامب في مقاومة النهج الاستعماري الجديد الموصوف من مستشار ترامب السياسي، ستيفن ميلر، بأنه يركن إلى «القوة ثم القوة»، ولغته الدبلوماسية الفظة والمهدّدة لإجبارهم على التسليم والخضوع؟ وكيف يتعاملون مع مركز هذه السياسة ومحرّكها، وما تقوم عليه، وهو سلطة الرجل الأوحد القوي؟ كما أوضح ماكرون، فإن الموقف الأوروبي يجتمع حول رفض ما أسماه بسياسة «التنمّر». وذهب أبعد من ذلك، واصفاً إيّاها ب«الهمجية». هي بالفعل حرب كلامية تظهر قابلية الحلف الأطلسي، الذي استمر أكثر من ثمانين سنة، للانفراط. خطاب أوروبا في المواجهة هو الوقوف لحراسة كل ما يتمثل في القواعد والقوانين والنظم التي يعمل النهج الاستعماري الجديد على الإطاحة بها، في طريقه إلى السيطرة على الأراضي، والمواقع، والثروات النادرة، وممرات الاتصال. تنظر أوروبا إلى خصمها هذا على أنه يعتبر كل الكرة الأرضية غنيمة شرعية له، ما دام يملك القوة الغالبة، نوعياً وكيفياً. كيف لا يستشعر الاستعمار القديم حقيقة أهداف ومرامي استعمار آخر جديد، أو كيف لأوروبا، حتى وإن هبطت درجات عدّة من أعلى درجات سلم التقدم، أن ترضخ للنظام العالمي الجديد الذي يشكله ترامب ومستشاروه؟ هي في النهاية ليست فنزويلا. أوروبا في لحمتها الحالية بإزاء فرط القوة وما تحاول فرضه، ترى نفسها تمثل في موقفها في رفض تسليم غرينلاند موقفاً أخلاقياً وقانونياً، يضع في الاعتبار الأولويات والأسس التي جمعت دول العالم في مؤسسات الأمم المتحدة، ومنظماتها، تلك التي يحاول النظام العالمي الجديد، بقيادة ترامب، تنحيتها جانباً، وإفشالها كلياً. دول مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، لم تنضم إلى «مجلس السلام» الذي أسّسه ترامب لإدارة غزة ما بعد الحرب، وكذلك لشؤون ومهمات، إقليمية وعالمية، أوسع، وذلك لإظهار المعارضة للنظام العالمي الجديد. وتم الإفصاح كذلك عن الخشية من أن يكون هذا المجلس بديلاً عن الأمم المتحدة، ومحاولة للقضاء عليها. ما لم يتم الإفصاح عنه مباشرة، ولكنه يبقى بيت القصيد ويعتبر أوروبياً مصدر التمايز عن النظام الاستعماري الجديد، يتمثل في سؤال عدم وضوح حدود الرأسمال الخاص عن الشأن العام في المشروع الجديد. وما يحجم السياسيون الأوربيون عن ذكره مباشرة يتحدث عنه الإعلام، بشكل واضح ومباشر، في القصة الأصلية الأولى عن غرينلاند. فوفق الرواية الصحفية كان الاهتمام بالجزيرة شخصياً واستثمارياً (تماماً مثل موضوع غزة)، إذ أغرى رونالد لودر، المستثمر العقاري وصاحب شركة العطور، صديقه دونالد ترامب بشراء الجزيرة، نظراً لما تخفيه أرضها من ثروات نادرة، وكان ذلك منذ الولاية الأولى لترامب. وكان لودر الذي يشغل كرسي الرئاسة للكونغرس اليهودي العالمي مستثمراً هناك. وبالفعل، فقد كان حديث ترامب عن الجزيرة يدخل في إطار الشراء الشخصي، وإطار رمز ترامب الشهير، وهو البرج الذهبي الذي ظهر منتصباً على الثلوج. وتكتب الصحافة الغربية أيضاً أن فكرة إدراج المعادن الثمينة بين أمريكا وأوكرانيا وراءها لودر نفسه، الذي يستثمر في المعادن هنالك أيضاً.
ولكي يعبّر دونالد ترامب عن واقع الحال، من دون لف أو دوران، خاطب العالم من دافوس بصفته عقارياً: «أنا كعقاري…»… وأكمل عن ميزات موقع غزة على البحر على النحو الذي تكلم به كوشنر في لقائه التلفزيوني الشهير. في النظام العالمي الجديد، أو الاستعمار الجديد، الأرض بما في باطنها مباحة، ولا سيادة أو قوانين تحميها. ويبدو هذا مدار صراع قادم.
د. أمينة ابوشهاب – صحيفة الخليج
