قد أوتيت سؤلك يا موسى
هل هناك ما هو أروع وأجمل من أن تجد طلبك، أو حاجتك تتحقق فوراً دون أي تأجيل، أو وعود، أو تسويف؟ لا شك أن المسألة لن تكون محسوسة لمن لم يمر بالتجربة، أو الموقف الذي أتحدث عنه. لكن من خاضها، أو مر بها في حياته، سيدرك تماماً ما أتساءل بشأنه وحوله.
وحتى لا أطيل في المقدمة، لنتأمل الموقف التالي..
حين كان النبي الكريم موسى عليه السلام في حضرة ربه تبارك وتعالى بالوادي المقدس طوى، تلقى أمراً للقيام بمهمة ليست كأي مهمة.. (اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ) ولكن لماذا فرعون فقط، مع أنه نبي مرسل للكل؟ السبب أنه طغى وخرج عن الحد. فقد ادعى الألوهية وتكبر وكان متبوعاً، فكان ذكره أولى، كما يقول الفخر الرازي في تفسيره.
يقول التابعي الجليل وهب بن منبّه في هذه الجزئية: «قال الله تعالى لموسى عليه السلام: «اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإنّ معك يدي وبصري، وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري.
أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، ولكن هان عليَّ وسقط من عيني، فبلغه عني رسالتي، وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا).
لا يغترن بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي… وبقية كلام طويل.
قال: «فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم.
ثم جاءه ملكٌ فقال: أجب ربك فيما أمرك بعبده».
المهمة الصعبة
إذن المهمة ليست سهلة. إنه فرعون الطاغية الذي عاش في قصره منذ أن كان وليداً حتى شب وترعرع. ثم فر من المدينة بعد أن ارتكب ذنباً كبيراً بقتل أحد أتباع فرعون، فهو اليوم مطلوب دون شك، ويخشى إن عرف القوم بأمره أن يقتلوه. أضف إلى كل ذلك، صار هذا الفرعون يدّعي الألوهية، والناس تطيعه وتتبعه، وليس من السهل أن يستمع إلى شخص مثلي، يعرف كل تفاصيلي.. هكذا كان لسان حال موسى عليه السلام..
لكن يتنبه موسى عليه السلام أنه بحضرة ملك الملوك، جبار السموات والأرض، الذي إن أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.. وبالتالي لم هذه الخشية، بل بدلاً من ذلك، لم لا يطلب منه سبحانه ما يعينه على أداء المهمة بالشكل المطلوب؟ ها هنا تبدأ طلبات وحاجيات موسى عليه السلام تنهال، بل ولم لا تنهال ويعرضها، وهو في حضرة أكرم الأكرمين؟
بدأ بالحاجات الشخصية، فكانت الأولى (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) ثم أتبعها بالثانية (وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) والثالثة (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي). ثم بدأ بالطلبات الخاصة جداً، فكان الطلب الأول غير العادي، الذي لم ولن يطلبه أحد (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي).
إنه بعد أن سأل الله أن يسهل له حاجاته الشخصية التي وجدها ضرورية للسير إلى الفرعون الطاغية، رأى أهمية وضرورة وجود شخص ما يتكامل معه في أداء المهمة، فلم يجد خيراً من أخيه هارون، فصار نبياً. وقد قيل حول هذا الطلب أن السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلاً يقول: أيّ أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: ما ندري. قال: والله أنا أدري.
قالت: فقلتُ في نفسي: في حلفه لا يستثني، إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه.
قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة.
فقلتُ: صدق والله.
وتقول العامة حول القصة نفسها، بأن أقوى واسطة وتزكية من إنسان لآخر في هذه الدنيا، كانت واسطة، أو تزكية موسى لأخيه هارون عليهما السلام، ليكون وزيراً ونبياً، فكان كما أراد عليه السلام، نعم العضيد والوزير.
اللحظة المدهشة
ها هو ذا الكريم المنَّان لا يُخجل ضيفه، كما يقول صاحب الظلال، ولا يرد سائله، ولا يبطئ عليه بالإجابة الكاملة (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ). هكذا مرة واحدة، في كلمة واحدة. فيها إجمال يُغني عن التفصيل. وفيها إنجاز، لا وعد ولا تأجيل.. كل ما سألته أعطيته. أعطيته فعلاً. وفيها مع الإنجاز، عطف وتكريم وإيناس بندائه باسمه (يا موسى) وأيُّ تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال، اسم عبد من العباد؟
هكذا هو شأن الدعاء حين تكون في حضرة الكريم المنان.
سل تعطه، كما جاء في حديث صحيح رواه الإمام أحمد، أنه صلى الله عليه وسلم مر مع صاحبيه أبي بكر وعمر على عبد الله بن مسعود، وكان قائماً يصلي، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليستمع إلى قراءته، فلما انتهى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد». ثم جلس ابن مسعود يدعو الله، فأثنى على ربه وحمده، فأحسن في حمده على ربه، ثم سأله فأجمل المسألة، وسأله كأحسن مسألة سألها عبد ربه، ثم قال: «اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين في جنانك جنان الخلد».
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سل تعطه، سل تعطه».
فقال عمر: فقلت في نفسي: والله لأغدون إلى عبد الله ولأبشرنه بتأمين رسول الله على دعائه..
فذهبت إليه فوجدتُ أبا بكر رضي الله عنه قد سبقني بالبشرى.
فقلت له: يا أبا بكر، والله إنك لسبَّاق في الخير دائماً.
فاللهم اجعلنا لك ذكَّارين، لك شكَّارين، إليك أوَّاهين منيبين، تقبَّل يا رب توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعواتنا، وثبِّت حجتنا، واسلل سخائم صدورنا، وعافنا واعف عنا.
اللهم آمين.
د. عبدالله العمادي – الشرق القطرية