من ليس لديه معركة.. ليس لديه حياة؟

الحياةُ ليست طريقًا مستويًا، ولا مساحةً آمنةً للركود. مَن يتأمَّل مسارات النَّجاح يدرك أنَّ القاسم المشترك بين مَن يصنعُونَ أثرًا حقيقيًّا هو امتلاكهم معركةً مستمرَّة، لا مع الآخرِينَ، بل مع أنفسِهِم أوَّلًا، ومع الفرص والتحدِّيات التي تفرضها الحياةُ.المعركة هنا لا تعني الصِّراع السَّلبيَّ، أو التوترَ الدَّائمَ، بل تعني اليقظةَ، والوعيَ، والاستعدادَ الدَّائمَ للتطوُّر. هي معركة الانضباط أمام الكسل، ومعركة الطُّموح أمام الخوف، ومعركة الاستمرار حين يفقدُ الآخرُونَ الحماسَ. مَن لا يخوض هذه المعارك، غالبًا ما يكتفي بالحدِّ الأدنَى، ويعيشُ على الهامش. في عصر سريع الإيقاع، تتعدَّد المعارك وتتنوَّع. هناك معركة تعليميَّة، تفرض على الإنسان أنْ يتعلَّم باستمرار؛ لأنَّ المعرفة لم تعد ترفًا، بل ضرورة للبقاء في سوق متغيِّر. وهناك معركة مهاريَّة، تتطلَّب تطوير القدرات العمليَّة والرقميَّة والتواصليَّة؛ لأنَّ الشهادة وحدها لم تعدْ كافيةً. ومعركة فكريَّة، لمواجهة التَّضليل، وترتيب الأولويَّات، وبناء وعيٍ نقديٍّ يحمي الإنسان من الانسياق خلف كلِّ ما يُطرح.
ولا تقلُّ معركة العلاقات أهميَّةً؛ كيف تختار مَن حولك؟ كيف تحافظ على شبكة داعمة؟ وكيف تدير الخلافات دون أنْ تخسر نفسَك أو الآخرِينَ؟ إضافةً إلى معركة الحفاظ على المكتسبات؛ لأنَّ النجاح لا يكمنُ فقط في تحقيقه، بل في استدامتِهِ وتقليل خسائرِهِ.امتلاكُ معركةٍ يعني امتلاكَ هدفٍ، وامتلاكُ هدفٍ يعني امتلاكَ معنى. الحياة بلا معركة تصبح تكرارًا باهتًا، بينما الحياةُ بمعركةٍ واعيةٍ تتحوَّل إلى رحلة نموٍّ مستمرَّةٍ. فاختر معركتك جيدًا؛ لأنَّها في النهاية، هي مَن تصنع حياتك، وتصقلُكَ شخصيًّا وتشكِّلُكَ وتكوِّنُ قيمتَكَ الشخصيَّة والمهنيَّة والعلميَّة والعمليَّة والمجتمعيَّة.
د. سعود الغربي – جريدة المدينة
