Site icon كوش نيوز

الفرح كحدث عاطفي أم كعرض جماهيري.. كيف سرقت الترندات بساطة البدايات؟

كان الفرح يومًا ما حالة إنسانية خالصة، لحظة دافئة تشبه عناقا طويلًا بعد انتظار، أو دمعة خفيفة تهرب من العين حين يكتمل الوعد. لم يكن الفرح بحاجة إلى إضاءة احترافية، ولا إلى منصة مرتفعة، ولا إلى عدسات تلاحقه من كل زاوية. كان يكفي قلبان قررا أن يبدآ معًا، وعدد محدود من الوجوه الصادقة التي تشاركهما الدعاء قبل الزغاريد.

لكن شيئًا ما تغيّر.
لم يعد الفرح مجرد حدث عاطفي يُعاش، بل صار عرضًا جماهيريًا يُقدَّم. لم يعد سؤال «هل أنتما سعيدان؟» هو الأهم، بل «هل كان الفرح مختلفًا؟»، «كم كلّف؟»، «من صمّم؟»، «كم عدد المتابعين الذين شاهدوا؟». وكأن الفرح فقد روحه في الطريق، واكتسب بدلًا منها بروتوكولًا صارمًا للظهور.

الترندات لم تكتفِ بالدخول إلى تفاصيل حياتنا اليومية، بل اقتحمت أكثر لحظاتنا خصوصية. دخلت البيوت دون استئذان، كيف يجب أن يكون الفرح، ومتى يُعتبر ناجحًا، وما الذي يستحق التصفيق، وما الذي يُعدّ «عاديًا» لا يليق بالعرض.

صار الفرح مشروعًا اجتماعيًا، يخضع للمقارنة قبل أن يخضع للمشاعر.

مشروعًا تُقاس قيمته بعدد المشاهدات لا بعمق السعادة.
مشروعًا تُختبر جدّيته بمدى قدرته على إبهار الآخرين، لا بقدرته على طمأنة القلبين اللذين سيكملان الطريق بعد انطفاء الأضواء.

المشكلة لم تعد في التكلفة وحدها، بل في الفلسفة التي تقف خلفها.
فحين تتحول لحظة البداية إلى سباق استعراض، يصبح الفرح عبئًا نفسيًا قبل أن يكون مناسبة. عبئًا على العروس التي يُطلب منها أن تكون «أيقونة»، لا إنسانة متوترة وسعيدة في آن. وعبئًا على العريس الذي يُنتظر منه أن يؤدي دورًا مثاليًا أمام جمهور، لا شريكًا يبدأ رحلته بخوف طبيعي ومسؤولية حقيقية.

الترند لا يحب البساطة.
الترند يكره الهدوء.
الترند لا يلتفت للفرح الصادق إذا لم يكن صاخبًا، ولا يعترف بالسعادة إن لم تكن مصحوبة بمؤثرات بصرية وموسيقية كافية.

وهنا تحديدًا تبدأ الخسارة الحقيقية.

لأن البدايات البسيطة لم تكن فقرًا في الإمكانيات، بل غنى في المعنى. كانت تعني أن العلاقة أهم من الحفل، وأن الاستمرار أهم من الانبهار اللحظي، وأن ما بعد الفرح يستحق من الاهتمام أكثر مما قبله. أما اليوم، فكثير من الطاقات تُستنزف في لحظة واحدة، وكأن الزواج ينتهي عند آخر أغنية، لا يبدأ بعدها.

الضغط الاجتماعي لم يعد خفيًا.
الفتاة التي تحلم بفرح هادئ تُتهم بأنها «تقلل من نفسها».
والشاب الذي يختار البساطة يُنظر إليه كمن قصّر أو لم يقدّر.
وكأن القيمة الإنسانية صارت مرتبطة بحجم الإنفاق، لا بحجم الاستعداد النفسي، ولا بقدرة الطرفين على تحمّل الحياة حين تصبح أقل احتفالية وأكثر واقعية.

نحن لا نعيش أفراحنا اليوم، بل نؤديها.
نرتب المشهد قبل أن نشعر به.
نستعد للتصوير أكثر مما نستعد للالتزام.
نخشى رأي المتابعين أكثر مما نخشى فشل التجربة نفسها.

والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا من هذه الأفراح «المبهرة» تخفي خلفها توترًا، وديونًا، وقلقًا من المستقبل، وخلافات بدأت قبل أن يبدأ الزواج فعليًا. فحين يُبنى الفرح على المقارنة، يصبح الزواج امتدادًا لها، وتتحول الحياة المشتركة إلى سباق آخر: من اشترى أكثر؟ من سافر أبعد؟ من نشر أسعد صورة؟

الفرح الحقيقي لا يُقاس بارتفاع الصوت، بل بطمأنينة ما بعده.
لا يُقاس بطول السجادة، بل بقدرة الطرفين على الوقوف معًا حين تُسحب الأرض قليلًا من تحت أقدامهما.
ولا يُقاس بعدد المدعوين، بل بعدد الذين سيبقون سندًا حين يهدأ كل شيء.

لسنا ضد الفرح، ولا ضد الجمال، ولا ضد الاحتفال.
لكننا ضد تحويل المشاعر إلى محتوى، واللحظات الخاصة إلى مادة للمقارنة العامة. ضد سرقة المعنى باسم الحداثة، وضد اختزال السعادة في لقطة مثالية لا تشبه الواقع.

ربما آن الأوان أن نعيد تعريف الفرح.
أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نحتفل لأننا سعداء، أم لأننا خائفون من أن نبدو أقل؟
هل نصنع الفرح لنعيشه، أم لنُرضي جمهورًا سيغادر بعد انتهاء العرض؟

البدايات لا تحتاج إلى بهرجة، بل إلى نية واضحة.
والفرح لا يحتاج إلى ترند، بل إلى قلب حاضر.
وكل ما عدا ذلك… ضجيج مؤقت، يسرق من اللحظة أكثر مما يضيف إليها.

د. أمل منصور – صدى البلد

Exit mobile version