آراء

عن المعادن والكلاب وتحطيم القيود!

تلتقط هذه المجموعة القصصية لحظاتها وشخوصها ومواقفها بكثيرٍ من الحساسية والتأمل، تمزج الأحلام والكوابيس بالواقع، وتتأمل أفكارًا مؤرقة كالروتين والعزلة والعلاقة مع الآخر، تحاول أن تجد لأبطالها وسيلة ما للتصالح والخلاص، لا تفرضها على الحكاية، ولكن تخرج منها بكل سلاسة، لا تضع نقطة فى نهاية السطر، فكل خاتمة هى بداية جديدة، تنتظر الكتابة. المجموعة صدرت عن دار الكتب خان بعنوان «يجذب المعادن ويحب الكلاب»،

ومؤلفها محمد البرمى يرتاد فى نصوصها عوالم أكثر ثراء وتنوعًا من مجموعته الأولى «للمحبين والأوغاد وقطّاع الطريق»، كما أن بناء القصص فيه الكثير من التركيب، بل يمكن القول إن مزيجًا من البساطة والغرابة، يجعلان لهذه المجموعة مذاقًا خاصًا ومتفردًا، وهو لا شك مزيج صعب وممتنع. أن تبدأ بالعادى الذى لا يمكن أن تلاحظه، فى غمار اليومى والمتكرر، وتأخذه إلى أفق التجربة الغريبة، الكابوسية أحيانًا، لهو أمر يدل على الموهبة والحرفة والطموح. ورغم تنوع الشخصيات والأحداث والعوالم، ورغم العمل بدأب على تفاصيل ومستويات اجتماعية واقتصادية وثقافية شديدة التباين، فإن معظم أبطال المجموعة يشتركون فى اختبار لحظات مصيرية فى مواجهة ظروفهم، وفى التعامل مع قيود موروثة أو مكتسبة، وينشأ الصراع عادة بسبب المسافة بين الحلم والواقع، أو بسبب صعوبة التكيف مع وسط معاد أو مضطرب، أو قد ينشأ الصراع بسبب اغتراب الشخصية عن محيطها، وعن الناس، وربما أحيانًا عن نفسها، واكتشافها أن عليها، الآن وفورا، أن تنقذ نفسها فيما تبقى من وقت. مجرد موقف، قد لا يغيّر الشخصية بالكامل، ولكن هناك دومًا احتفالا بالمحاولة، وحفاوة بالطبيعة الإنسانية كما هى، وبطرق التكيف، مهما كانت غريبة. المشاعر والرغبات والمعارك الصغيرة فى هذه المجموعة ليست أخطاء، والبشر يستحقون فرصا فى كل الأوقات، ظروفهم شاقة، وتناقضاتهم الداخلية أكثر صعوبة،

والحياة لا ترحم، ولذلك لا توجد إدانات أخلاقية، ولا نفوس مثقلة بالإحساس بالذنب، ولكن يوجد بديل فى حلم أو كابوس أو هواية، أو حتى فى كائن آخر، يساعدنا على مواجهة الحياة. شخصيات هذه المجموعة لا تتوقف عن طرق كل وسيلة للتكيف، للتصالح مع الذات القلقة، ورغم لمسة ساخرة فى بعض القصص، إلا أن الشعور الأعلى صوتا هو التفهم والتعاطف مع الشخصيات، لأنهم فى الأغلب كائنات وديعة، ألقى بهم فى مواجهة ظروف أكبر من قدراتهم، ولأنهم يعانون اغترابا داخليا مؤثرا، حتى وهم يعيشون وسط الآخرين، وحتى وهم يمتلكون عائلة وأولادًا. لنختبر هذه الأفكار فى أمثلةٍ من قصص المجموعة: فى قصة «رباط الحذاء الذى خطط لقتلى» نموذج لهذا البطل المضهد، الذى يُسقط ظروفه المعادية على رباط حذائه، ثم يصبح هذا الرباط نفسه هو وسيلته للانتقام، القصة نموذجية أيضًا فى تطبيق مزيج العادى والتافه والبسيط، الذى يقودنا إلى أغرب نهاية. فى «غرفة أبى التى خبأ فيها العزلة» محاولة أخرى من بطل عادى لكسر المألوف، حجرة صغيرة تخصه فى قلب بيته، عالم يمتلكه حتى لو كانت أيامه قليلة فى الحياة، حلم صغير صار حقيقة فى مواجهة روتين قاتل خضع له طوال حياته. فى «أزواج وقتلة» يتم استخدام تقنية الحلم المشترك، بل وتداخل الحلم فى الواقع، كبديل عن ارتكاب جريمة قتل، وهى بالتأكيد محاولة للتكيف، أفضل بكثير من بلوغ المأساة، وفى «وقائع مقتل السيدة مرسيدس» استخدام لنفس التقنية فى إطار ساخر، لن يتنازل الزوج عن أن يكون ماركيز، ولن يتنازل أيضًا عن حلمه بأن تكون زوجته مثل زوجة ماركيز، تنتهى القصة دون جريمة، ودون حل، ولكننا نشعر برثاء حقيقى للطرفين، لأن منطقهما فى «التعويض»، يتم التعبير عنه بقوة وذكاء. يدخل بطل قصة «شارع سنان»، بسبب عزلته، وامتثاله القديم، وبسبب انتظاره لعملية إخلاء شقته فى أى وقت، فى تجربة كابوسية كافكاوية، تنمحى فيها الخطوط بين الواقع والخيال، السرد مشوق وحافل بالمخاوف والهواجس، والخوف من الأشباح يجسدها، والعمارة غير المسكونة تمتلئ بحكاية غرائبية، تضع البطل فى مواجهة نفسه، بدلًا من الهروب المعتاد.

أما بطل «سبيل محمد على» فيكتشف لذّات جسده بسبب بيت شعر عابر، يواجه فى لحظة حقيقة حياته الفارغة من النساء، فيلحق فرصة سانحة، ويبحث عن تجربة الذنوب، والتوبة، وكأنه يولد من جديد. ظروف بطلة «الفتاة التى تشبه إيمى واينهاوس» غريبة، فهى ضحية سوء اختيارها، مثل كل بطلة تراجيدية، ومن النقاب إلى التحرر، وبالعكس، تجد الشخصية معادلها فى السقوط والتمزق والانتحار عند المغنية البريطانية إيمى واينهاوس، ولكن حكاية البطلة تروى أيضًا من داخل قصة أخرى، لا نعرف نهايتها، ولكننا نقرأ وصفا لصورة صاحبتها. «يجذب المعادن ويحب الكلاب» حكاية غريبة عن بطل لا يجد جسورًا مع الناس، بينما وجد جسرًا مع كلبٍ صغير ملأ حياته، ويحتضن جسد بطل الحكاية عدة معادن غُرست فى مناسباتٍ شتى، من رصاصة كامنة فى وقت الثورة، إلى حشو فى الأسنان، وشريحتين وعدة مسامير تمسك بعظامه. الغرابة هنا فى عدم التفاعل مع البشر، رغم احتضان الكلاب والمعادن، مثلما تبدو الغرابة فى قصة «كما يليق بسلحفاة» فى محاولة جلب الحظ بواسطة سلحفاة، وبذل أكبر جهد فى ذلك، بل ويتمنى بطل الحكاية أن يكون سلحفاة، دون بذل جهد مماثل فى التعامل مع الواقع، أو مع البشر. نتعاطف حقا مع أسرة فقدت ابنها الشاب المتطوع فى الجيش فى قصة «اليوم السادس»، ونسترجع مع بطل قصة «شبابيك» حكاية حب فاشلة، دون ندم، ودون اعتذار عن مشاعر، وتحكى الصور والخطابات بقايا الذكريات، ودروس الماضى، كما فى قصتى «صندوق أمى» و«حائط لتخليد الذكرى». وفى القصة الأخيرة تبدو خلاصة الرحلة: لا شىء يدوم، ما تفسده الحياة لا يمكن أبدًا إصلاحه، ولكن علينا الاستمرار، بدون توقعات كبرى، أو مبالغة فى الحسرات.

محمود عبدالشكور – الشروق نيوز

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى