آراءأبرز العناوين

قرارات التوقيف الدولية.. وأورجانون أرسطو

فى منتصف مايو الماضى، تقدم المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية بطلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلى ووزير دفاعه، وبحق إسماعيل هنية ويحيى السنوار، من جانب آخر.

وما إن أُعلن ذلك الطلب حتى ارتفعت عقيرة إسرائيل بالهجوم على المحكمة وعلى اتفاقية روما المنشئة لها، وساندتها الولايات المتحدة متبنية ذات الخطاب التحريضى ضد المحكمة، حتى إن الرئيس بايدن أبدى استنكاره لموقفها ورفضه له بمقولة أن المحكمة قد أنشئت من أجل إفريقيا! على حد ما أذيع من حديث له مع السيد كريم خان. فى المقابل بدأت حماس فى التعامل بجدية مع طلب المدعى العام إعدادًا لمذكرة ردها عليه.

يعلم دارسو ودارسات القانون فى مختلف أقطار الدنيا، أن القاعدة القانونية، داخلية كانت أم دولية، هى وبحكم التعريف «قاعدة سلوك عامة مجردة» وملزمة للأشخاص المخاطبين بها أيًا كانت أدوات ذلك الإلزام وإجراءاته.

وأن العمومية تعنى أن القاعدة متى قررت، فإنها تطبق على كل أحدٍ توافرت فيه شروط تطبيقها، وأن التجريد يعنى، أنها لا تستهدف حالة أو شخصًا بعينه حتى ولو كانت لا تنطبق بحسب طبيعتها إلا على شخص واحد. فالمهم فيها أنها تتأسس على شروط مجردة متى انطبقت طُبقت. فقواعد القانون متى أطلقت عمت. ولذلك لا ينبغى أن يقال بأن القصد من إقرارها كان لانطباقها على حالة دون أخرى. حتى ولو دارت الدوائر فانطبقت على من دفع إليها وساهم فى تشريعها، كما هو حال إسرائيل من اتفاقية حظر الإبادة الجماعية التى ساهمت بعد قيامها فى تقريرها للانتقام من قادة الحزب النازى وتعقبهم كما فعلت مع ايخمان اختطافًا له من أمريكا اللاتينية، فإذ بها تمارس ذات الأفعال الإجرامية فى حق الشعب الفلسطينى فى غزة فتُآخذ بذات القاعدة التى ساهمت هى فى تقريرها.

ومن ثم فإن قول بايدن بأن المحكمة الجنائية الدولية قد أنشئت لمواجهة المجازر العرقية فى البحيرات العظمى الإفريقية، لا يعنى أية قيمة قانونية، وإنما هو محض مغالطة منطقية فضلا عن كونه كاشفًا لموقفها وهى التى وقعت على اتفاقية روما ثم انسحبت منها هى وإسرائيل عام 2002، بل وأصدرت قانونًا من برلمانها لحماية تابعيها من الخضوع للمحكمة الجنائية الدولية وهو المسمى بقانون «غزو لاهاى» بمعنى القانون المضاد لميثاق المحكمة!

وإذ كانت المحكمة الجنائية الدولية قد أنشئت كجهاز قضائى دولى لمحاسبة الأشخاص الطبيعيين المسئولين عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية، فإن النظم الجنائية الوطنية وهى التى ينعقد اختصاصها أساسا على مبدأ إقليمية القانون يأخذ البعض منها – وهو اتجاة محمود أخذا فى الازدياد – باعتماد مبدأ عالمية الاختصاص بالنسبة للجرائم التى ترتكب ضد الإنسانية، ولو لم ترتكب على إقليم الدولة المعنية أخذا بمبدأ الإقليمية، أو إضرارا بها، أخذا بمبدأ العينية، أو من أحد مواطنيها أخذا بمبدأ الشخصية فى تحديد الاختصاص. وذلك كالقانون البلجيكى مثلا والذى اتخذت محاكمة إجراءات شبيهة بما انتهت إليه المحكمة الجنائية الدولية.

نأتى لبيت القصيد من هذا المقال، فقد طلب مدعى عام المحكمة الدولية إصدار مذكرات توقيف بحق الجنرال شويجو وزير الدفاع الروسى السابق، وآخر من كبار القادة الروس بتهمة ارتكاب جرائم حرب باستهدافها للبنية التحتية الأوكرانية قصفًا لمحطات توليد الطاقة الكهربائية! وما أدت إليه من آثار وخيمة على السكان المدنيين! وما إن أُعلن عن طلب إصدار مذكرتى التوقيف هاتين، حتى هللت الدبلوماسية الأمريكية مرحبة بتوجه المدعى العام للمحكمة على الرغم من سبق استنكارها لطلبه إصدار مذكرات توقيف بحق المسئولين الإسرائيليين عن جرائم أشد وطأة وأعظم أثرا بزعم أن المحكمة أنشئت لمواجهة المجازر الإفريقية. وبرغم أن المدعى العام للمحكمة قد التزم بمنطق التسوية بين القادة الاسرائيليين وقادة فصائل المقاومة المسلحة أخذًا بمنهج المواءمة ودفعًا لمظنة انحيازة أو تسييس قراره.

كذلك تتجه الدوائر القضائية الفرنسية لإصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السورى بشار الأسد لانتهاكاته البشعة وغير المبررة فى مواجهة المعارضة، عملا بمبدأ عالمية الاختصاص بشأن جرائم الحرب وهو ما هللت له الدبلوماسية الأمريكية كذلك. وهنا تبرز المفارقة بين الموقفين الأمريكيين المتناقضين فى شأن قضية واحدة ومتطابقة.

وعلى الرغم من دأب كتابنا وأدبياتنا السياسية على انتقاد المواقف الدولية للدول الكبرى المؤسسة على ازدواجية المعايير، إلا أنه ينبغى فى تقديرى الاعتراف بوجودها بل وبتوالى اعتمادها فى العلاقات الدولية طالما بقى النظام الدولى على ما هو عليه. فازدواجية المعايير – وهو مصطلح خادع ومضلل أيضًا – تعد نتيجة طبيعية لتركيبة النظام الدولى! من دول متساوية السيادة، غير متساوية القوة، تحيا فى بيئة تنافسية تستهدف تأكيد النفوذ والنفاذ للأسواق، فى عالم مضطرب غير متناهى الأحداث معا. بما يجعل من صالح دولة ما (أيًا كانت هى) أن تتخذ موقفًا فى حالة بعينها يناقض تمامًا موقفها فى حالة أخرى مشابهة أو حتى متطابقة. إذ إن المثاليات والمبادئ الأخلاقية ومعايير العدالة ربما تكون أحد محددات السياسة الخارجية للدول، ولكنها وبكل تأكيد ليست هى المصدر الوحيد لها.

كما أنه مصطلح خادع ومضلل لأنه من الممكن أن تزدوج المعايير الصحيحة فى ذاتها ويكون للمرء أن يختار بينها، أما ازدواجية المعايير الشائهة فى ذاتها فهى لا تعدو أن تكون محض مغالطات منطقية. وعلينا أن نقبل بوجودها وإن لم نسلم بأخلاقيتها وأن نتعامل معها بما يحقق مصالحنا الوطنية ويحافظ عليها.

تتأسس ممارسات ازدواجية المعايير فلسفيا على مذهب الذرائعية السياسية كما كرسه ميكافيللى فى كتابه «الأمير» بينما تجد تقنياتها فى الجزء قبل الأخير من كتاب المعلم الأول أرسطو «الأورجانون» والذى خصصه لدراسة المغالطات فى المنطق الصورى. أما درعها الحامى لها والضامن لاستمرارها فيتمثل فى بنية النظام الدولى وتأسيس التنظيم الأممى على منهج تمييزى يمنح المنتصرين فى الحرب العالمية الثانية مكنة الاعتراض على أى مشروع قرار يتعلق بالسلم والأمن الدوليين بما يمنع تمريره.

ينبغى أن يتوجه الجهد إذن للتركيز على كيفية مواجهة المواقف المبنية على ازدواجية معايير لردها لصوابها بالالتزام بأحكام القانون الدولى والتزامات الأطراف ومبادئ التعامل الأخلاقى خاصة إن كانت تلك المواقف صادرة عن دول امبراطورية التكوين والتأثير كالولايات المتحدة سواء انفردت بقيادة العالم أو نازعتها قوى أخرى أو تأسس النظام الدولى على أساس ثنائى أو متعدد الأقطاب.

ولذلك فإن موقف قادة حماس فى التوجه للرد على مذكرات التوقيف الصادر بحق قياداتها إبداء لدفاعها ودفوعها من حيث عدم جواز التسوية بين الجانى والضحية أو التأكيد على ممارسات الاحتلال الدافعة لفعل المقاومة، أو نكوصه عن الوفاء بالتزاماته كسلطة احتلال وفقًا للاتفاقيات الدولية أو تسويفه فى إقرار الحقوق المشروعة للشعب المحتلة أراضيه وفقًا للقرارات الملزمة فى هذا الشأن أو عدم تناسب ما مارسته الآلة العسكرية الإسرائيلية ضد المقاومة والشعب والإقليم معًا بما تجاوز حدود الإبادة الجماعية واستهداف المدنيات والمدنيين، يعد أمرًا إيجابيًا فى هذا الصدد.

منهج التعامل مع المواقف مزدوجة المعايير يتأسس إذن على ثلاثة قوائم، الأول فضح المغالطات المنطقية فى الحجج التى تساق لتبرير الموقف المزدوج إعمالًا لقواعد المنطق الصورى كما عقدها المعلم الأول فى الأورجانون.

والثانى يتمثل فى العمل على تصويب وهيكلة النظام الدولى وفقًا لما تغير من أوضاع القوة والنفوذ منذ نهاية الحرب الثانية وللآن وهى المدة التى قاربت على كمال القرن والتى اختلفت فيها ترسانات التسليح وأوزان الدول معًا. ربما كان مناسبًا هنا التذكير بأن التعامل مع الواقع الدولى المتغير ليس أمرًا مستنكرًا أو بعيدًا، فالصين التى حوصرت بعد الحرب واحتلت مقعدها تايوان فى الأمم المتحدة أقر لها بحقها عام 1971م وصححت المواقف لاحقًا. ليس أمرا مستغربًا إذن المناداة وموالاة العمل بتصويب وهيكلة التنظيم الدولى بعد ثمانين عامًا من انتهاء الحرب الثانية والتى لو رشدت الإرادات وصحت العزائم وتمكنا من إجراء ذلك التصويب وتلك الهيكلة فإنها ستكون عاملا إيجابيا لاستبعاد نذر الحرب العالمية الثالثة التى تدق لها الطبول، وكذلك فإن اللجوء فيما يتصل بالموضوع الذى ازدوجت المعايير بشأنه للمحافل الأخرى التى لا تعتمد المنهج التميزى فى إصدار قراراتها كالجمعية العامة للأمم المتحدة تحت قرار الاتحاد من أجل السلم فضحًا للمواقف المزدوجة وإيضاحًا للجانب الأخلاقى والعادل بشأن الموضوع المطروح عليها.

والقائم الأخير لمواجهة تلك الممارسات المزدوجة والمعوجة يتمثل فى التعامل الإيجابى معها كما هي، مثلما فعلت حماس بإعداد مذكرتها للرد على مذكرات التوقيف، وفى التأكيد أن قيادة العالم وسياسات دولة وإن كانت لا تتأسس على المثاليات والمبادئ على الدوام كمعيار وحيد لها، فإن مسئولية الدول الكبرى، الإمبراطورية التأثير والتى تقدم نفسها كقائدة للعالم لا بد وأن تقوم على حد أدنى من المثاليات والأخلاق لا يتفق أبدا والأخذ بازدواجية المعايير. إذ القيادة بخلاف السيطرة لا تقوم إلا على المسئولية الأخلاقية وعدالة المواقف.

حامد الجرف – الشروق نيوز

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى