تحقيقات وتقارير

“تبادل أدوار”.. رئيس “إصلاحي” جديد في إيران تحت “سيطرة المرشد”

في نتيجة لم يتوقعها كثيرون، نجح المرشح الإصلاحي مسعود بزشكيان، الذي دعا إلى سياسات معتدلة في الداخل وتحسين العلاقات مع الغرب، في الفوز برئاسة إيران في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية أمام المرشح المحافظ سعيد جليلي، المدعوم من التيار المتشدد.

حصل بزشكيان، جراح القلب البالغ من العمر 69 عاما، على 16.3 مليون صوت ليتغلب على جليلي الذي حصل على 13.5 مليون صوت، فيما اعتبره البعض بمثابة ضربة للتيار المحافظ في المؤسسة الحاكمة في إيران وانتصار كبير للمعسكر الإصلاحي المعتدل نسبيا، الذي تم تهميشه خلال السنوات القليلة الماضية.

بلغت نسبة المشاركة نحو 50 بالمئة، أي أعلى بنحو 10 نقاط مئوية عن الجولة الأولى، مع إدلاء نحو 30.5 مليون ناخب بأصواتهم، بحسب وزارة الداخلية الإيرانية.

شهدت الجولة الأولى من الانتخابات نسبة إقبال منخفضة بشكل قياسي حيث قاطعها العديد من الإيرانيين احتجاجا سياسات النظام المتشددة.

وبينما يتمتع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بسلطات واسعة في إدارة الحكم بالبلاد يعتقد محللون أن الرئيس القادم لن يتمكن كثيرا من التأثير على السياستين الداخلية والخارجية على حد سواء.

يقول مدير المركز الأحوازي للدراسات السياسية والاستراتيجية حسن راضي حسن إن صعود بزشكيان جاء نتيجة عاملين رئيسيين، “الأول يتمثل بحاجة النظام الديني لوجه إصلاحي في المرحلة المقبلة، لأنه يعتقد أن من المحتمل جدا فوز الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية”.

ويضيف راضي، المقيم في لندن، في حديث لموقع “الحرة” أن “طهران تتخوف من عودة سياسات ترامب المتمثلة بفرض عقوبات مشددة ومعاقبة النظام الإيراني، وبالتالي سمحت بمجيء رئيس إصلاحي من أجل تليين المواقف وتحسين العلاقات مع الغرب بشكل عام”.

أما العامل الثاني فهو مرتبط بالوضع الداخلي لإيران الذي يوشك على الانفجار بسبب تأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وفقا لراضي.

ويرى راضي أن “النظام عانى من عزوف المواطنين عن الانتخابات، وبالتالي حاول خامنئي من خلال السماح بفوز رئيس إصلاحي زيادة المنافسة ورفع نسبة المشاركة في الانتخابات”.

في أول تصريح له بعد الفوز بالانتخابات حث بزشكيان الإيرانيين على التمسك به في “الطريق الصعب” الذي سيمضي فيه.

وقال بزشكيان في منشور عبر منصة التواصل الاجتماعي “إكس”: “إلى الشعب الإيراني العزيز: انتهت الانتخابات، وهذه مجرد بداية لعملنا معا. أمامنا طريق صعب. ولا يمكن أن يكون سلسا إلا بتعاونكم وتعاطفكم وثقتكم”.

وكان بزشكيان قال خلال الحملة الانتخابية إنه يدرك أن إصلاح الاقتصاد يرتبط ارتباطا وثيقا بالسياسة الخارجية، وتحديدا المواجهة مع الغرب بشأن البرنامج النووي وأنه سيتفاوض لرفع العقوبات.

كذلك أعلن معارضته لقانون الحجاب الإلزامي وأكد رغبته في إقامة علاقات سلمية مع الغرب.

وباعتباره ثاني أعلى مسؤول في إيران بعد المرشد الأعلى يشرف الرئيس على السياسات الاقتصادية ويعين مجلس وزراء يضم صناع القرار الرئيسيين في مجالات تتراوح من الشؤون الخارجية إلى صناعة النفط الاستراتيجية.

لكن يمكن عرقلة هذه القرارات من قبل البرلمان والمرشد الأعلى، الذي له الكلمة الأخيرة في البت بالقرارات المرتبطة بسياسة البلاد.

وليس لدى الرئيس تأثير كبير على المسائل الأمنية والعسكرية، التي يتحكم بها خامنئي والحرس الثوري المتشدد، مما يعني أن الانتخابات من غير المرجح أن تؤثر على نهج المواجهة الذي تتبعه البلاد تجاه الولايات المتحدة ودعم الجماعات المسلحة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

واعتبر خبير الشؤون الإيرانية في مجموعة الأزمات الدولية علي فايز في منشور على منصة “إكس” أن فوز بزشكيان “يكسر نمط سلسلة من الانتخابات الوطنية شهدت تشديد المعسكر المحافظ قبضته على جميع مراكز السلطة”.

لكن مع ذلك، “تستمر سيطرة المحافظين على المؤسسات الأخرى في الدولة” وفق قوله.

وأضاف أن “الصلاحيات المحدودة للرئيس تعني أن بزشكيان سيواجه معركة شاقة لتأمين المزيد من الحقوق الاجتماعية والثقافية في الداخل ومشاركة دبلوماسية في الخارج، وهو ما تم التأكيد عليه خلال حملته الانتخابية”.

وقال كذلك “إن مرونة بزشكيان هي السبب وراء بقائه على قيد الحياة واستمراره في اللعبة عندما تم تهميش الآخرين”.

وعلق قائلا أيضا “خسرت الجمهورية الإسلامية اختبار الشرعية في الجولة الأولى من الانتخابات.. وخسر المتشددون اختبار الشعبية في الجولة الثانية”.

ومرت سنوات منذ أن سمحت إيران لأحد الإصلاحيين بالترشح للرئاسة، وهو ما يعتبره مراقبون علامة على الضغط الذي يتعرض له نظام الحكم في طهران، حيث تعاني البلاد من تدهور اقتصادي واضح وتشدد في القرارات المتعلقة بارتداء الحجاب.

كما تخضع الانتخابات لرقابة مشددة، حيث يتوجب أن يحصل جميع المرشحين على موافقة السلطات.

ويوضح حسن راضي أن “المرشد الأعلى في إيران هو من يسيطر على كل شيء في البلاد، والتصريحات التي أدلى بها بعد إعلان النتائج تثبت ذلك”.

يقول راضي إن “خامنئي وضع للرئيس الفائز الخطوط العريضة التي يجب أن يسير عليها وقال له يجب أن تتبع نهج الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي وأن يستعين بمن وصفهم بالشباب الثوريين والعقائديين في حكومته”.

في الأيام التي سبقت التصويت، وصف سياسيون ورجال دين بارزون جليلي بأنه “موهوم”، وشبهوه بحركة طالبان في أفغانستان، وحذروا من أن رئاسته ستضع البلاد على مسار تصادمي مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتجاوز العديد من المحافظين الخطوط الحزبية وصوتوا لصالح بزشكيان، لأنهم قالوا إن جليلي كان متطرفًا للغاية وسيؤدي إلى تعميق التوترات في الداخل.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الإيراني حسين رويران أن فوز بزشكيان يعد دليلا صارخا على حرية الانتخابات في إيران.”

ويضيف رويران لموقع “الحرة” أن “الجميع كانوا يقولون إن جليلي هو مرشح النظام وفوزه مضمون، لكن صعود بزشكيان أعطى مصداقية كبيرة للانتخابات”.

ويشير رويران إلى أن “الحديث عن أن كل شيء بيد خامنئي لا يتطابق مع الواقع، لأن إيران فيها دستور ومؤسسات دولة والمرشد نفسه يخضع لها وليس العكس”، حسب تعبيره.

ويتابع رويران أن “إيران دولة مؤسسات والرئيس يأتي في المرتبة الثانية بعد المرشد ولديه القدرة على التأثير بشكل كبير على سياسات إيران الاقتصادية والسياسية والأمنية”.

لكن راضي يختلف مع هذا الطرح ويعتقد أن “خامنئي أراد إرسال رسالة للغرب مفادها بأن النظام الإيراني فيه ديمقراطية والشعب هو من ينتخب رئيسه”.

ويختتم بالقول إنها “مجرد لعبة لتبادل الأدوار بسبب تأزم الوضع الداخلي والخارجي.. هم ينحنون حتى تمر العاصفة”.

الحرة

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى