آراء

القلبُ يعشق ما يراهُ جميلًا

«لكل شىء جمالُه، ولكن لمن يراه فقط» هكذا قال كونفوشيوس، لذلك فإن إدراك الإنسان يلعب دورًا رئيسيًا فى استقبال وجه امرأة، أو وردة أو بناية أو شجرة أو طفل، أو صخرة أو نهر أو حتى منطقة مزدحمة مزعجة جمالها فى وَنَسِها واختلافِها.

إذن فهناك جمالٌ خَفِىّ مُغطّى يكمن تحت السطح، يُثريه التقدير اللازم له، لمضمونه وسحره العجيب فى النُطق وفحوى الكلمات وعمْق العينين ورونق التجاعيد، وهناك حتى ما يسمَّى جمال القُبح، الذى يوجد فى أشياءٍ غير تقليدية قد ينفرُ منها البعض، وهكذا فإن الجمال يبدو لمن يراه فى كل شىءٍ حولنا تقريبًا.

الجمال إنه أمرٌ يختلف من شخصٍ لآخر؛ فالزوج الذى تعوَّد على امرأته، ربما لا يرى فيها جمالًا بعد فترة، لكن لدى دخوله البيت ورؤيتها فى المطبخ وهى تتذوق الطعام الذى تعدُّهُ فى همّة، سيكتشف روعتها وجمالها، وسيأخذها فى حضنه ويطبعُ على وجنتها قبلةً تتضمّخ بروائح الطبيخ، والرجل الذى لم يدقق فى تفاصيل جسد زوجته، وانهمك فى العلاقة الزوجية كإيلاجٍ فقط، تفوتُه الكثير من التفاصيل الجميلة والجذّابة، التى لم يختبرها ولم يفهمها ولم يسمح له الوقت بتأمّلها فى مساحات وثنايا جسد زوجته والعكس صحيح.

إن الجمال مسألة مُركبَّة مُتغَيِّرة تتعدى حدود الجاذبية الجسدية وجمال الطلعة وحُسن المُحَيا، إنه موجودٌ فى الفن والطبيعة والموسيقى، وفى قطّتك الصغيرة وهى تبادلك العواطف، وفى اللحظات الخاطفة البسيطة فى زحمة الحياة، كانحناءة رجلٌ مهم لطفلٍ يسأله عن شيء ما.

ولتفهم معنى الجمال عليك أن تدرك قوة الإدراك وفطنة الاستيعاب وروعة ذلك الــProcessor فى دماغك، ويلعب الإدراك دورًا لا يستهان به فى عملية استيعاب الجمال؛ فالقلب يعشق كل جميل، ويتأثر بتلك الأبعاد المتفرِّدة للمتلقى ولمن يراه وللمعتقدات وللتجارب الشخصية المختلفة، تربيتنا، خلفيتنا الثقافية.

العوامل الاجتماعية الخاصة بكل بلد أو مكان أو مدينة أو كفر أو نجع، فجمال النخيل وجمال النهر وجمال الأرض الخضراء والصحراء له عشقه، لكلٍ حسبَ وجوده وكينونته، ومع ذلك فإن إدراكك للجمال والجميل ليس مطلقًا، إنها رؤيتك الخاصة لك وحدك، بعينيك التى ترى فى الجمال بناءٌ له معمارٌ خاص مُضَفّر بقيمك التراثية والثقافية، فالذكاء لرجلٍ نحيف يرتدى نظارة رؤية يجعله جميلاً لامرأة شابة.

وتلعب السوشيال ميديا والعادات والتقاليد الاجتماعية دورًا فى ذلك؛ فالعرب القدماء أحبّ كثيرٌ منهم ومازالوا المرأة المكتنزة «خرساء الأساور» أى أن امتلاءها جعل أساورها تقبض على رسغها فلا تتحرك ولا تصدر صوتًا «شخللة»، ونعرف جيدًا أن من الأجيال الجديدة من يعشق المرأة المدملجة Curvy، وأن كثيرًا من البنات يسعين لكى يكن بهذا الشكل، بينما آخرون يحبون الضخمة أو النحيفة، أو الصغيرة الحجم Le Petit، وهكذا الأمر أيضًا للمرأة فهناك من تفضل لون أحمد زكى والأخرى تحب الأشقر الأبيض وهكذا.

كما أن الماضى بتجاربه يلعب دورًا فى تحديدك للجمال فإذا ارتبط شكلٌ ما لرجل بتجربةٍ قاسية، ستظل تلك الصورة رغم جمالها مقيتة لامرأة عانت، ومن تربَّى فى البحر يعشق لونه وموجه وصوته، ومن غرق له أحد فيه يراه قبيحًا مخيفًا ملعونًا، إن الحكايات والذكريات كثيرة، وتلعب دورًا فى تشكيل الجمال فى الكون.

إن الجمال الخاص بكل شىء، بدءًا من فراشةٍ تنطلق فى الفضاء بزهو أجنحتها، إلى طفلةٍ سمراء من أدغال إفريقيا تحدق فى الحيوانات المفترسة لا مبالية.

وللجمال قوة، وابتسامة الجميل سيف، وصفاء عينيه يأخذ الألباب، وكما قال السيّاب: «عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ».

خليل فاضل – المصري اليوم

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى