آراء

من يكره من.. ولماذا؟

في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 طرح الأمريكيون، والغرب عموماً، بقوة السؤال: لماذا يكرهوننا؟ والمقصود في السؤال هم العرب والمسلمون. كان التساؤل مطروحاً من قبل طبعاً، لكنه أصبح بعد أحداث سبتمبر مركز النقاش والبحث، وتعرضت له عشرات الكتب ومئات المقالات والدراسات والأبحاث. بالطبع، في سياق الجو العام وقتها واتهام مجموعة إرهابية عربية مسلمة بالأحداث، فقد بدا ذلك منطقياً. وفي جانب منه، أن يلقي الأمريكيون والغرب التبعة على طرف آخر في التغطية على تاريخ طويل من سياساتهم المنحازة ضد العرب بشكل عام.

حتى على الرغم من أن المجموعة التي تبنت الهجمات على أمريكا هي نتاج الدعم والتسليح الأمريكي والغربي لمن سموا «المجاهدين» ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان في ثمانينات القرن الماضي. فضلاً عن القبول، وربما حتى التشجيع، الأمريكي والبريطاني والغربي عموماً، للجذر المتشدد لكل الجماعات الإرهابية التي تصف نفسها ب«الإسلامية» وهو تنظيم الإخوان وامتداداته.

مع كل ذلك، يمكن تماماً تفهّم طرح التساؤل الأمريكي والغربي حول سبب «كراهية» العرب والمسلمين لأمريكا والغرب. وحين تكون الأحداث حادة وساخنة، مثلما كان الوضع وقت الهجمات على نيويورك وواشنطن، يكون من الصعب النقاش بعقل بارد والرد بأن العرب والمسلمين إنما يتخذون موقفاً من سياسات أمريكا والغرب التي يعتبرونها ظالمة لهم وضد حقوقهم وتطلعاتهم المشروعة.

فالحقيقة أن أغلب العرب والمسلمين لا يكرهون أمريكا فقط، البلد والناس، بل إنهم يحبونها. وليس أدل على ذلك من إرسال من يستطيعون منهم أبناءهم للتعلم في أمريكا والغرب. وفي الوقت نفسه يعارض كثيرون سياسات أمريكا والغرب، خاصة في المنطقة العربية، بل ويناصبها بعضهم العداء، وليس فقط يكرهونها.

مرة أخرى، وبغض النظر عن كل ذلك، كان السؤال في 2001 يبدو مقبولاً، خاصة مع صعود تيار التشدد الديني في العالم العربي والإسلامي منذ ثمانينات القرن الماضي بخطابه العنصري تجاه «الآخر» في كثير من الأحيان. ولم تجد محاولات الرد بأن تلك الفئة «الكارهة العنصرية الإرهابية» لا تُمثل العرب والمسلمين، بالضبط كما أن السياسات الأمريكية والغربية الظالمة والمعادية للعرب لا تمثل كل سكان أمريكا والغرب.

وبالطبع، لعب الشحن الإعلامي والإنشاء السياسي المغالي في الوطنية دوراً في تسيد مقولة أن العرب والمسلمين يكرهون أمريكا والغرب ويحقدون على «أسلوب حياة» الخواجات؛ لأنهم لا يقدّرون الحرية والديمقراطية. وأسهم بعض العرب، ممن يتملّقون للغرب أو من يظنون أنهم بإسماع الخواجات ما يطرب آذانهم سيكونون مقبولين غربياً، في ترسيخ تلك التصورات المشوهة.

بعد أكثر من عقدين، نشهد الآن ومع صعود اليمين المتطرف في الغرب، والحرب على غزة، ما يبرر انتقال السؤال إلى العرب بشأن أمريكا والغرب: لماذا يكرهوننا؟ خاصة بعدما وصف وزراء إسرائيليون الفلسطينيين بأنهم حيوانات، وقبول ذلك التوجه العنصري أمريكياً وغربياً. بل إن هناك في الغرب من أصبح يصرّح علنا بأن العرب، وربما المسلمين أيضاً، أدنى من مرتبة البشر!

لكننا لا نرى نقاشاً واسعاً ولا كتابات بالعربية تطرح التساؤل بتلك القوة التي طرحه بها الأمريكيون والغرب من قبل بشأن كره العرب لهم. ليس السبب في ذلك أن العرب، خاصة مفكريهم وكتابهم، لا يرون تلك الكراهية والعنصرية أو أنهم يقللون من شأنها، فلا يتحدثون عنها علناً ولا ينشرون المقالات والأبحاث، ويعقدون المؤتمرات بشأنها. ولا لأن لديهم شعوراً بالدونية تجاه أمريكا والغرب فحسب، بما يجعلهم يقبلون صاغرين بما يصفهم به أو يكرههم على أساسه.

يتصور المرء أنه نوع من «الكسل الفكري» إذا جاز التعبير، وهو كسل أصبح يصبغ الكثير من أوجه حياتنا، وإذا تجاوزناه فإنما نحو «الاستسهال» والسطحية إلى حد كبير. وربما هناك مبرر آخر لأننا لا نطرح السؤال لأنه لا مبرر له.

إن الإرث العنصري للغرب لم يختفِ تماماً في ظل شعارات الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان التي يغذى بها الرأي العام منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويعود جذر ذلك إلى ما قبل عصور الظلام الأوروبية قبل قرون، وربما كان أحدث تعبير قوي عنه هو ما شهدته أوروبا، مركز العالم في ذلك الوقت، من صعود للفاشية والنازية وحربين عالميتين في عقدين بالنصف الأول من القرن الماضي.

ربما يكون الجديد أن ذلك التوجه لم يعد قاصراً على أوروبا، بل امتد عبر الأطلسي إلى الولايات المتحدة. ومن هنا يصبح السؤال من قبل العرب وغيرهم «لماذا يكرهوننا؟» غيرَ ذي معنى. ذلك أن الأمر لا يتعلق بالعرب فقط، وإنما بكل «الآخر» غير الغربي، مع طفو ذلك الإرث الغربي مرة أخرى على السطح بقوة.

أحمد مصطفى – صحيفة الخليج

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى