آراء

الحقيقة المنسية

أخذ «هشام بن عتبة» -أشهر قادة معركة القادسية- يردد على مسامع جنود كسرى قول الله تعالى: «أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ»، ليذكّرهم بما كانوا يقسمون به سابقاً: «لا يزول مُلك فارس ما عشنا»، وكأنه يقول لهم: ها هو مُلك فارس قد زال.

الآية الكريمة من سورة «إبراهيم» تصف صنفاً من البشر لا يخلو منه زمان أو مكان، هو ذلك الصنف الذى يصور له غروره فى لحظة أن ملكه لن يزول، وأن قوته خالدة، وأن أدوات سيطرته على الحياة باقية. وقد جاء الحديث عن هذا المعنى فى سياق وصف إحساس الناس يوم القيامة، حين يجدون أنفسهم فى مواجهة عذاب الآخرة، بعد حياة طويلة ظلوا ينكرون فيها أن هذه اللحظة آتية، وأن حياتهم هى الدنيا، ولا بعث ولا حساب بعدها. إنها ببساطة فكرة إنكار الحساب التى تسكن عقول وأفئدة البشر الملتصقين بالحياة والذين يهوون سحق بشرها وقيمها. أمثال هؤلاء لا بد أن يؤكدوا لأنفسهم أن لحظة الحساب لن تأتى وأنه لا عقاب لهم على ما يفعلون، وحتى لو كان، فإنهم سيفلتون منه بصورة أو بأخرى.

من الطبيعى أن تؤكد هذه النماذج لنفسها أنها باقية إلى الأبد، وليست إلى زوال، ومن الطبيعى أيضاً أن تشعر بالمفاجأة حين تجد نفسها فى ساحة الحساب، وترى بعينيها العقاب الذى ينتظرها، فتحاول الإفلات منه من خلال طلب التأجيل، ومن المنطقى أن يكون الرد عليهم: «أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ».

إنها الحقيقة الكبرى المنسية دائماً، حقيقة أن كل شىء إلى زوال، ولك أن تتصور كيف سيكون «أداء البشر» إذا تمثلوها فى سلوكياتهم، فعلم صاحب المال، أو المنصب، أو الجاه، أو القوة، أو المنعة، أو أى نعمة أخرى من نعم أن ما يملكه إلى زوال. مؤكد أن شكل الحياة سوف يختلف.

كان من الطبيعى أن يواجه «عتبة بن هاشم» -بطل معركة القادسية- أعداءه من الفرس بقوله تعالى: «أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ». فالفرس كانوا يعيشون لحظة من لحظات «غرور القوة»، ينظر ملكهم «كسرى» إلى إمبراطوريته مترامية الأطراف فيشعر بأنها لن تزول أبداً، لذلك أخذ رسالة نبى الله محمد، صلى الله عليه وسلم، فمزقها. إنه نفس الإحساس الذى عاشه صاحب الجنة -فى سورة الكهف- حين دخل جنته وهو ظالم لنفسه فقال وهو يرى خصبها وعزها: «وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً»، وأمام هذا الشعور بالقوة اتجه صاحب الجنة إلى الطغيان، وطغى أول ما طغى على صاحبه.

الإحساس بالثقة فى القوة وعدم زوال معطيات الحياة لا ينتاب الملوك مثل كسرى وفقط، بل يصيب ملاك أدوات القوة بجميع تعابيرها، بل إنها تدهم أيضاً بعض البشر العاديين الذين كانوا يرددون كما يصف القرآن الكريم: «إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ».

الذين يظنون أنهم ليسوا إلى زوال هم أقرب الناس إلى الزوال، لا لشىء إلا لأنهم لا يتمتعون بالحذر الواجب فى التعامل مع الحياة وتقلباتها.

د. محمود خليل – الوطن نيوز

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى