آراء

ظواهر سيئة فى المجتمع المصرى.. مسؤولية مَن؟

هناك ما يشير إلى وجود تدهور سريع وخطير فى المجتمع المصرى يستدعى الانتباه، فهو يشمل تجاهل احترام القيم والأخلاق والسماحة والتسامح واحترام القانون واحترام الآخر وانتشار العنف غير المبرر والاعتماد على الدين المغشوش- التدين الشكلى- مع زيادة سطوة التيار السلفى المتشدد وأذناب الإخوان والتدافع الأعمى على اكتناز الأموال مهما كان مصدرها، فى الوقت الذى زادت فيه متاعب الغالبية العظمى من المواطنين بدرجة غير مسبوقة.. وسوف أتناول اليوم بعض هذه المظاهر..

أولًا.. يحدث فى الساحل الشمالى:

لا أدرى حقيقة صاحب هذه التسمية لتقسيم الساحل الشمالى بين الطيب والشرير، ولا أحبذها إطلاقًا، فالمقصود بها وجود مواطنين أغنياء فى منطقة وغير أغنياء فى منطقة أخرى، وأُذكر الجميع بما ورد فى القرآن الكريم: (والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق)، وقال سبحانه: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا)، فهذه هى سنة الحياة، ولكن إذا نزلنا إلى الواقع الذى نعيشه فسوف نجد زيادة غير مبررة وغير مفهومة للثروة لعدد يتزايد مؤخرًا، فى الوقت الذى تزيد فيه أعداد مضاعفة من محدودى الدخل والفقراء، كما أن الطبقة المتوسطة تجاهد من أجل البقاء بعد زيادة الفجوة الطبقية تدريجيًّا مع ما ينتج عنه من آثار اجتماعية خطيرة، نرى بعض مظاهرها فيما يُطلق عليه الساحل الشرير، ومنها:

١- كل أسعار المعيشة مُغالى فى سعرها بأضعاف قيمتها فى غيبة تامة للدولة.

٢- انتشار الحفلات الليلية حتى الفجر، وبعضها للأسف لا يليق ولا يتفق مع القيم الأخلاقية.

٣- غياب شبه كامل لمراقبة المرور، والذى يؤدى إلى حوادث كارثية.

٤- بدعة فورمة الساحل، والتى تعنى الاعتماد على نظام غذائى مجهول المصدر الطبى يعتمد أساسًا على كل مصادر البروتين، مع ممارسة تمارين رياضية، من أجل هدف واحد، وهو بناء العضلات- للذكور والإناث- والتباهى بذلك بغرض البحث عن مظهر جذاب بأكتاف عريضة وخصر نحيل!، وللأسف الشديد، فإن ما يُستخدم لهذا الغرض قد يكون نقمة على الفتى أو الفتاة من هورمونات.. فهورمون النمو قد يؤدى إلى تورم الساقين واحتباس السوائل، مع زيادة نسبة الصوديوم بالدم، وخطورة الإصابة بأمراض القلب والسكر لأن هذا الهورمون يتداخل مع عمل الإنسولين، وهناك هورمون الذكورة المُصنَّع معمليًّا، والذى قد يؤدى إلى نمو الثديين وانكماش الخصيتين وعدم القدرة على الإنجاب تمامًا، مع تضخم البروستاتا وأورام الكبد والسلوك العدوانى، وهناك الكرياتين، وهو بروتين ينتج فى الجسم، ويساعد فى نمو العضلات وإنتاج المزيد من الطاقة، وقد يؤدى إلى زيادة الوزن وتقلصات مؤلمة فى البطن والعضلات وحدوث جفاف بالجسم ومشاكل فى الكلى وتقليل ساعات النوم، وهناك هورمون الإريثرو بيوتين، الذى يعالج فقر الدم عند إصابة الكليتين، وقد يؤدى تناوله لفورمة الساحل إلى نوبات قلبية وسكتة دماغية وانسداد شرايين الرئة، وقد يؤدى إلى الوفاة.

ندائى الأول إلى ولى الأمر.. لا تترك أبناءك وبناتك فريسة لتجار السمنة والنحافة والمراكز الرياضية غير المرخصة، فالكثيرون من العاملين فيها هم مجرد هواة يبحثون عن المال والشهرة الكاذبة، وللأسف نرى بعضهم فى بعض البرامج التليفزيونية مدفوعة الأجر.. والنداء الآخر للحكومة، فقد بُحَّ صوتنا بضرورة الاستغلال الأمثل للساحل الشمالى كله اقتصاديًّا بالإعلان عن الاشتراك فى تأجير بعض الشاليهات والفيلات المناسبة واللائقة لضيوف مصر من الخارج بعد انتهاء فصل الصيف والإعلان عن التسويق للساحل فى كل أنحاء العالم مع تجهيز كل المطلوب للإقامة والمعيشة طوال العام، فالساحل لا يصح ولا يُعقل أن يكون مقصورًا على شهرين أو ثلاثة فى العام، وهو أفضل من كل السواحل المماثلة فى العالم.

ويبقى السؤال المهم.. مسؤولية مَن؟، وبالقطع فإن الأسرة هى المسؤولة أولًا عما يحدث، بعد أن تفككت كثيرًا، مع انغماس الوالدين فى العمل وكنز الأموال وإهمال التربية والرقابة والأصدقاء، وكذلك الإعلام الذى لم ينجح فى التعامل مع الشباب وتسليط الضوء على النماذج الناجحة وما أكثرها، وانصب التركيز على الفنانين ولاعبى الكرة، ثم يأتى دور الدولة التى لم تنتبه للفجوة الطبقية التى تتسع تدريجيًّا مع ما يمكن أن يُحدثه ذلك فى المجتمع.

ثانيًا.. الحج والإسلام الشكلى:

يقول الله سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم: (ولله على الناس حج البيت مَن استطاع إليه سبيلًا)، والحج من أفضل الأعمال وأجلها عند الله سبحانه وتعالى، وأعظم أهدافه إخلاص العبادة لله وحده وتوجيه القلوب إليه إيمانًا بأنه سبحانه يستحق العبادة، كما أنه يُذكر بالآخرة ووقوف العباد بين يدى الله يوم القيامة، وقد قال عنه رسولنا الكريم، عليه الصلاة والسلام: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، ولفظ المبرور مأخوذ من البر، الذى هو اسم جامع لكل خير، ويعنى أنه الحج الذى لا يخالطه شىء من المأثم، ومن علامات قبوله أن يرجع العبد خيرًا مما كان، ولا يعاود المعاصى.. وقد فُرض الحج على المسلمين فى العام السادس للهجرة، وكانوا فى البداية يحجون مع المشركين، إلى أن نزل قوله تعالى فى العام التاسع للهجرة: (يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، وفى العام العاشر من الهجرة خرج الرسول ومعه مائة ألف أو يزيدون، وخطب هناك خطبة جامعة وسُميت الحجة بحجة الوداع، وهى الحجة الوحيدة له، عليه الصلاة والسلام.. وإذا انتقلنا إلى أرض الواقع الذى نعيشه فسوف نجد انتشارًا مؤسفًا للإسلام الشكلى أو المغشوش، الذى تسيطر عليه جماعة المتشددين من سلفيين وأذناب الإخوان، الذين يصرون على احتكار الدين، وخاصة مع انتشار الجهل بالدين الصحيح والأمية.. وسوف أسرد بعض الأمثلة:

١- حتمية الحج لكل مسلم ومسلمة

لقد عاصرت أمثلة لا تُحصى من مسلمين يصرون على أداء الحج، وصحتهم لا تحتمل إطلاقًا مشقة الحج، وحجتهم أنهم يتطلعون إلى الدفن فى الأرض المقدسة!!، وكأن الدفن فى هذه الأرض كفيل بدخولهم الجنة!، (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، وهناك مَن يقتطع من قوت أولاده أو يستجيب لنداءات بعض الشركات الباحثة عن المكسب السريع تحت مظلة الدين بتشجيع الحج بقروض ميسرة قد لا يتمكن من الوفاء بها، وهناك مَن ذهبت إلى الحج، وطلبت من زميلتها أن تجلس مكانها فى الامتحان، وتم ضبطها فى إحدى الجامعات، وتمت إحالتها إلى التحقيق فى الجامعة، (حج مع الغش)، وأيضًا ما حدث مؤخرًا فى الحج الأخير، حيث تحايل البعض على الدخول لأداء الحج بتأشيرة زيارة، بالمخالفة للقواعد التى وضعتها المملكة السعودية للحج، بمساعدة خبيثة من بعض السماسرة الباحثين عن المال الحرام، وما نتج عنه من وفيات كثيرة وإصابات من شدة الحر، وقد علمت من أحد علماء الأزهر الأجلاء أن سيدة يعرفها وقعت فريسة لهؤلاء السماسرة، الذين وصلوا بها مع غيرها إلى موقع الحج بالتحايل، ولم يكن لها بالطبع مكان مسجل للإقامة، وتركها السمسار لرمى الجمرات، وعندما رجع وجدها قد تُوفيت من ضربة الشمس الحارقة.. وقد اتخذت الدولة إجراءات حاسمة مع هذه الشركات، ولكن هذا لا يكفى على الإطلاق، فأين دور وزارة الأوقاف فى التوعية؟، وأين وزارة السياحة التى تركت الباب مفتوحًا على مصراعيه للسفر إلى السعودية قبيل أداء الحج؟. ولماذا لم تتعاون مع وزارة الحج السعودية والشركات السياحية السعودية لتنظيم دخول الزائر وتحديد موعد مغادرته وفرض القانون الحازم على المخالفين؟، وأطالب الحكومة بالإعلان عن أسماء الشركات التى يثبت ضلوعها فى هذه الجريمة فى كل وسائل الإعلام.

٢- عدد مرات الحج والتشبث باللقب:

يعتقد الكثيرون أن زيادة مرات الحج سوف ترفعهم إلى مراتب أعلى فى الآخرة، مع أن رسولنا الكريم، «ص»، قد حج مرة واحدة كى لا يرهق المسلم صحيًّا وبدنيًّا وماديًّا، كما أنهم بذلك يحرمون غيرهم ممن يحلمون بهذه الفريضة بسبب التزاحم، ولذلك أطالب الدولة ومجلس النواب بأن يناقشا إمكانية قصر الحج فقط على مَن لم يقم به من قبل، ويمكن السماح لرحلة أخرى فقط بعد ١٠ سنوات، إذا كان ذلك من أجل إهداء هذا الحج لأحد الأقارب الذين لم يتمكنوا من ذلك.. وهناك ظاهرة أخرى منتشرة لا أعلم تفسيرًا لها، وهى التمسك بلقب الحاج بعد أداء الفريضة، ونتناسى أننا لا يمكن ولا يصح أن ننادى رسولنا الكريم، عليه الصلاة والسلام، بهذا اللقب. بل إننا فى كثير من الأحيان نتخوف من هذا اللقب، الذى ارتبط للأسف بأعمال تتنافى مع أخلاق المسلم، ومن هنا أناشد مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف تكثيف جرعة التوعية الإسلامية الحقة، كما أطالب أجهزة الدولة بتحجيم التيار السلفى المتشدد من أجل الحفاظ على الإسلام الوسطى المعتدل.

صلاح الغزالي حرب – المصري اليوم

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى