تحقيقات وتقارير

استنفار فرنسي خوفًا من ظفر الاستثمار التركي في الجزائر

تصر السلطات الفرنسية على أن تكون حريصة في كل مرة على اقتناص نصيبها من كعكة امتيازاتها في الجزائر، ويزداد هذا الحرص عندما تلاحظ غريمها التركي، وهو يتموقع أكثر من أي وقت مضى في دولة مثل الجزائر، التي تعتبر في منظور السياسة الخارجية لباريس، مجالا حيويا خاصا بها، بالنظر للاعتبارات التاريخية المعروفة.

ومباشرة وبعد يوم واحد من زيارة نائب الرئيس التركي جودت يلماز إلى الجزائر، تحسبا لشروع البلدين قريبا في التفاوض من أجل التوقيع على اتفاقية ثنائية للتجارة التفضيلية، تحدثت السفارة الفرنسية بالجزائر، في تغريدة لها عن لقاء جمع علي عون، وزير الصناعة والإنتاج الصيدلاني، بالسفير الفرنسي بالجزائر، ستيفان روماتي.
وحضر المسؤول التركي بصفته ضيف شرف ممثلا لبلاده في حفل افتتاح معرض الجزائر الدولي من قبل الرئيس عبد المجيد تبون، بحر هذا الأسبوع، كمؤشر على قوة العلاقات بين الجزائر وأنقرة، بحيث اعتاد المسؤولون الجزائريون والأتراك على المشاركة في كل النشاطات الكبرى التي ينظمها البلدان. كما كان الحضور التركي في المعرض لافتا من خلال مشاركة ما لا يقل عن 51 شركة ومؤسسة تصدير تركية.
وقد خلف هذا التقارب حالة من عدم الارتياح لدى الجانب الفرنسي، الذي بات ينظر إلى تركيا على أنها منافس من العيار الثقيل ومهدد حقيقي لمصالحها في الجزائر، ولم يكن هذا الانشغال مجرد عبارات يرددها المحللون السياسيون والخبراء ورجال الإعلام في باريس، وإنما صدرت في أكثر من مرة، على لسان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي كثيرا ما يقرن المنافسة التركية بالصينية، عندما يتحدث عن مصالح بلاده في الجزائر وفي القارة الإفريقية عموما. واستنادا إلى مضمون تغريدة السفارة الفرنسية في الجزائر، فإن هاجس الفرنسيين هو ذو بعد اقتصادي محض، على الأقل وفق ما هو مصرح به، فقد تحدثت التغريدة عن “حوار صريح حول آفاق تقوية التبادلات الاقتصادية بين البلدين، وخاصة في مجالي صناعة السيارات والإنتاج الصيدلاني”.

وبالمقابل، يبدو الحضور الاقتصادي الفرنسي في تراجع مقارنة بالوجود التركي المضطرد، فمركب الحديد والصلب “توسيالي” بوهران، جاء نتيجة استثمار تركي، كما أن مصنع النسيج “طايال”، الذي يعتبر الأكبر من نوعه في إفريقيا، هو ثمرة استثمار تركي، بالإضافة إلى المئات من الشركات الناشطة في قطاع الأشغال العمومية والبناء والطاقة، في حين لم تتمكن شركة السيارات الفرنسية “رونو”، من استعادة نشاطها بمصنعها الكائن بوادي تليلات، بوهران، كدليل على عدم جدية الجانب الفرنسي، فيما استغل منافس أوروبي آخر، وهو إيطاليا، ليقيم مصنعا له في وهران منذ ما يقارب السنة، مقتحما إحدى القلاع التي كانت حكرا على الفرنسيين، فضلا عن مستثمرين آخرين، صينيين وآسيويين.

وبحديث السفارة الفرنسية عن آفاق التعاون بين البلدين في مجالي صناعة السيارات خاصة، يتبادر إلى الذهن السؤال المتعلق بمصير مصنع العملاق في صناعة السيارات “رونو” في وهران، وما إذا اقتربت عودته إلى النشاط بعد توقف بدأ في سنة 2020، لاسيما وأن منافسين آخرين في هذا القطاع، وضعوا نشاطهم على السكة، مثل المصنّع الإيطالي “فيات”، الذي غزا السوق الوطنية، في وقت قررت الجزائر إنهاء الحظر على استيراد السيارات الجديدة من خلال منح الموافقات لثلاث علامات تجارية للسيارات، من بينها اثنتين من كونسورتيوم “ستيلانتيس” في مارس 2023. ما هو معلوم هو أن مصنع “رونو” بوهران، الذي بدئ العمل فيه في العام 2014، لم يتحصل بعد على موافقة مصالح وزارة الصناعة والمنتجات الصيدلانية لاستئناف نشاطه المتوقف، وقد يكون هذا الملف تمت مناقشته خلال اللقاء الذي جمع الوزير علي عون بالسفير الفرنسي بحر هذا الأسبوع، غير أن الطرف الجزائري هذه المرة ليس كما كان قبل نحو عشر سنوات، وهو حريص على أن يكون الجانب الفرنسي جادا في إقامة شراكة حقيقة، وليس مجرد مصانع “لنفخ العجلات”، وذلك برفع نسبة الاندماج في الاقتصاد الوطني إلى حدود 40 بالمائة، وهي النسبة التي لم تحترم في مصنع “رونو” بوهران. وبرأي المراقبين، فإن الطرف الجزائري سوف لن يترك الفرصة تمر من دون أن يعاقب العملاق الفرنسي “رونو”، على تفضيله إقامة مصنع له في دولة منافسة للجزائر، وذلك بفسح المجال أمام منافسيه في سوق واعدة، لم يقدر قيمتها هو يوم كان يسرح ويمرح من دون حسيب ولا رقيب.

محمد مسلم – الشروق الجزائرية

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى