آراء

عودة كونتا كينتي!

هممتُ قبل سنين طويلة أن أكتب بحثاً بعنوان «عودة كونتا كينتي»، لكن تعاقب الأسفار والعمل الصحفي اليومي حال دون ذلك. غير أن طول التأجيل لم يُنسني تلك الملحوظة التي كتبتها على قصاصة صغيرة آنذاك. وقتها كنت مازلت مخدوعا مثل كثيرين بشعارات الدول «المتقدمة» عن الحرية والديمقراطية والعدل والرفاه، إلخ. كان التساؤل الكبير لدي هو: ماذا لو أن كونتا كينتي عاد إلى الحياة في ذلك الوقت، مطلع الألفية الجديدة، ورأى أحفاده يتمتعون بالرخاء والديمقراطية في أمريكا، بينما نظراؤهم في إفريقيا مازالوا يعانون الفقر والمرض والعسف؟

وقبل الاسترسال لا بد أن ننعش ذاكرة القراء بأن كونتا كينتي هو الشخصية الرئيسية في رواية «جذور» التي صدرت عام 1976 لمؤلفها الأمريكي الإفريقي الأصل أليكس هيلي. وقد تم تجسيد أحداثها وأفكارها في مسلسل ضخم مشهور بنفس الاسم بعدها بسنوات قليلة. يحكي هيلي قصة جده (كونتا كينتي) الشاب المسلم الفتي الذي تم خطفه مع آخرين من غرب إفريقيا إلى أمريكا عام 1776، أي في عام إعلان استقلال أمريكا وقبل 200 عام بالضبط من صدور الرواية، وكيف حاول بكل قوة واستبسال الفكاك من الأسر والعبودية دون جدوى. ويُظهر حجم الآلام والمعاناة التي تعرض لها هؤلاء على أيدي لصوص البشر، تجار الرقيق، المجرمين الذين كان معظمهم من أعداء الإنسانية أحفاد بن سبأ، وذلك بحسب دراسات موثقة من بينها، كتاب البروفيسور توني مارتن، بكلية ويلسلي (ماساتشوستس)، «الهجوم اليهودي: برقيات من جبهة القتال في ويلسلي»، ويوثق أنه كان لليهود نشاط خاص في تجارة الرقيق عبر الأطلسي ويؤكد لعبهم دورًا بارزًا للغاية في استعباد الأفارقة في أوروبا والأمريكتين. الأمر نفسه أكده المؤرخ الأمريكي إيلاي إس فيبر المتوفى عام 2020، وكان رئيس تحرير مجلة التاريخ اليهودي الأمريكي. ومن المفارقات أن تأكيد مارتن أن اليهود كانوا وراء جزء كبير من استجلاب الرقيق من إفريقيا أيده العديد من العلماء اليهود أواسط القرن العشرين بحسب المؤرخ الأمريكي أيضا وينثروب جوردان في دراسة بعنوان «العبودية واليهود».

نعود إلى كونتا كينتي وماذا لو عاد الآن.. هل كان سيندم على أنه قاوم العبودية والأسر بكل تلك الضراوة التي صورتها الرواية، لدرجة أن مالكه الأبيض قطع نصف قدمه اليمنى بالفأس حتى يتوقف عن الهرب، أم أنه كان سيظل معتزا فخورا بكفاحه ذاك؟ أعترف بأن الإجابة التي كانت في خاطري وقتها أنه كان حتما سيندم على كفاحه ضد العبودية وسيرحب بما آلت إليه أوضاع أحفاده وذريته في الغرب. لكن تلك الفكرة كانت قبل نحو ربع قرن، لم أكن قد فهمت وقتها أن البشر كلهم تحولوا تدريجيا إلى كونتا كينتي بدرجة أو أخرى، كما تحدثنا في المقال قبل الأخير. لم أكن أفهم وقتها أن الديمقراطية وهم كبير لا توجد معانيه الإيجابية إلا على الورق. وقد كُتبت في فكرة وهم الديمقراطية كُتب ودراسات لا حصر لها، ربما تعد بالالاف، ويحمل كثير منها العنوان ذاته، وهو «وهم الديمقراطية»، وأذكر منها مثلا، كتابي فرديناند ليندبرج و تيج ليندبوم بالعنوان سالف الذكر.

لم أكن قد فهمت أن وضع السود في أمريكا وأوروبا لم يتحسن إلا ظاهريا ولقلة مختارة منهم ويشهد على ذلك تعديات الشرطة المتكررة على السود. ولم أكن قد فهمت أن وضع البشر جميعا كان يسير منذ ذلك الوقت في نفس الاتجاه. ثم تتابعت الأحداث لتبين واحدا بعد الآخر، وأحدثها ما سُمي جائحة كورونا، أن البشر جميعا مستهدفون بالاستعباد من قبل أعداء الإنسانية الذين يتخفون وراء الحكومات، كما ذكر ماركس، وأن الحرية مسألة شكلية قضت عليها بدرجة كبيرة «ثنائية الإعلام والرصاصة».

لكن أهم من ذلك كله أنني فهمت لاحقا أن رواية جذور-التي حاول أعداء الإنسانية التقليل من نجاحها باتهام كاتبها بسرقة أفكارها أو بعضها من كاتب «أبيض»!!- تحمل بُعدا أخطر وأبشع من مجرد الاستعباد هو أن كونتا ذلك ومعظم الرقيق الذين تم خطفهم في تلك الحقبة من إفريقيا كانوا مسلمين تم سلخهم عن دينهم قهرا وظلما. وهذا جانب آخر من صناعة الكفر، يتصل مباشرة بما استعرضناه في سلسلة «تشكيل العقل العربي الحديث» من أن أحفاد ابن سبأ كانوا وراء تشويه وتدمير العقل العربي الإسلامي. فهم لم يكتفوا بتشويه الفكر وتدمير العقل بل تعددت جرائمهم بحق الإسلام والمسلمين بلا توقف في كل مكان وزمان وصلوا إليه. وكما كانوا هم المحرضين والممولين للحملات الصليبية وما سمي بحروب الاسترداد في الأندلس، وصولا إلى هدم الخلافة، فقد عملوا أيضا على استعباد المسلمين الأفارقة ونقلهم إلى أوروبا والأمريكتين. وقد انفلت عقال إجرامهم بسقوط غرناطة (1492)، والتي لم يخسر المسلمون بسقوطها وجودهم في غرب أوروبا فقط بل أيضا في الأمريكتين اللتين كان بهما بالفعل أعداد كبيرة من المسلمين بحسب ما أكدت مصادر عدة بينها كتاب المؤرخ والجغرافي المسلم أبو الحسن المسعودي «مروج الذهب ومعادن الجوهر»، الذي يوثق وصول المسلمين هناك أواخر القرن التاسع الميلادي، بينما يوثق باحثون محدثون مثل د. كريج كونسيداين وصول المسلمين إلى الأمريكتين بداية ذلك القرن.

على كل حال أستطيع الآن أن أقول وبكل وضوح ان كونتا لو عاد اليوم سيفتخر بما فعل بكل تأكيد لأنه سيتأكد أن كفاحه ودفاعه عن حريته كان هو التصرف السليم. أما الآن فلابد من مواصلة الكفاح من الجميع لأن أعداء الإنسانية لايزالون يستهدفون تقويض حرية البشر الجسدية والفكرية، والجميع مستهدفون بصناعة الكفر والفقر والاستعباد وليس جنسا بعينه فقط.

عصام بيومي – الشرق القطرية

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى