آراء

البلوغ وقوة المعتقدات!

جدول الوعي الجاري، كُرات الذكريات المتدحرجة، قوة المعتقدات التي تُرينا ذواتنا، الكوابيس التي ترسم أحكاما ودودة أو صارمة تجاه أنفسنا، والجسد الخارجي برعونته وصفائه، كل ذلك لا يعدو أن يكون أكثر من ارتداد لذلك الداخل بالغ العمق والحساسية فينا.

هكذا نتابع في الجزء الثاني من فيلم الأنيميشن «inside out»، صورتين هائجتين تعتملُ إحداهما في النفس البشرية وتموجات العقل الباطني حيث تدب حياة الأمزجة الشخصية وتلعب أدوارها، وتعتملُ الصورة الأخرى في الجسد الذي نراه ونلمسه ونشاهد ردات فعله الظاهرية ونصدر ضده أحكامنا.

في الحقيقة لا أدري كيف تمكن صُناع هذا الفيلم للمرة الثانية من جعلنا مشدوهين بقوة المخيلة التي تؤثثُ عقل البطلة «رايلي»، الفتاة التي تبلغ الثالثة عشرة من عمرها، لنغدو في مواجهة حية مع كل ما قد يدور ذهنها من هواجس وأفكار.

إذ بقدر ما يظن الآباء أنّهم يقدمون الحماية اللازمة لأبنائهم، يخفقون في عزلهم التام عن خوض مشاعرهم وأحاسيسهم الفردية، فثمة ما ينمو في أعقد نقطة من أدمغتهم، حيث لا يمكننا أن نُمرر أيدينا الناهية ولا ألسنتنا النافية.

«البلوغ» هذه المرّة هو جرس الإنذار الذي أفزع مشاعر «رايلي» المعتادة: «الفرح، الحزن، الخوف، الغضب»، وكأنّ هذه المشاعر لم تعد كافية لتدير العقل والجسد الجديدان، ليبدأ طوفان من الاضطراب والفوضى، إذ تقتحمُ مشاعر جديدة مركز قيادة العواطف في عقلها: «القلق، الملل، الإحراج، الحسد»، وذلك بغرض مساعدتها للعثور على ذاتها المشتتة، لإثارة إعجاب الآخرين، «العائلة والأصدقاء»، ولبناء خبرات مغايرة في الوعي أيضا.

التغير الذي يصيب الجسد يُطلق شرارة الفوضى لتسع مشاعر لأن تعبث بعقل «رايلي» بطريقة مُرعبة تجسد الواقع الذي يعبره المراهقون، إلى أن يستلم «القلق» زمام المهمة، فيطرد الآخرين، ظنا منه أنّه الوحيد القادر على حمايتها، دون أن يعي أنّه يهدم المخيلة الصافية، ويحوّل جملة: «أنا شخص صالح» إلى «لستُ جيدا بما يكفي»، حيث تبدأ مشقة محاولة إثبات الذات بين الأقران الجدد.

في الجزء الأول كانت الفكرة الفاتنة تدور حول أنّ محاولتنا لتجاوز شعور «الحزن» لا يعني بالضرورة أنّ تمضي الحياة على نحو أفضل. لقد مُنح «الحزن» أهمية كبيرة لقدرته على إعادة الأشياء إلى أماكنها، بعد أن حاول البعض استبعاده والتقليل من شأنه. هكذا تتبدى المشاعر في الفيلم كـتباينات ضرورية في لوحة التكوين النفسي.

تأسرنا حركة الداخل وانعكاسها على الخارج. نرقبُ عن كثب كيف يكبر الأبناء وكيف تحل المشاعر بتعاقب مُذهل، إلا أنّ الفيلم يدعونا خفية إلى أن نقوي في أبنائنا ما يعتقدونه عن أنفسهم لأنّ ذلك هو ما يستيقظ فيهم وقت الشدة والألم. فبقدر ما نشأ هذا الكون الذي نعيش فيه من تحولات مُعقدة على مدى ملايين السنين، انقذف في تكويننا الأشد تواريا شيئا من ذلك التعاقب المُتنامي أيضا.

وكما يُعلم الفيلم المراهقين ضرورة أن يتعاطفوا مع أنفسهم، يدعو الآباء إلى ضرورة أن ينظروا بتعقل لسيلان المشاعر التي تعبر أبناءهم في مرحلة بالغة الهشاشة من حياتهم الشعورية، إذ إنّ لهذه المشاعر وظائف أساسية، وليس بالضرورة أن نقصي أحدها وإنّما أن نعي دورها في الوقت الملائم.بقدر الإبهار البصري، وقوة اللحظة التي تحتضن فيها كل المشاعر دون استثناء المعتقد الأصلي لـ«رايلي» عن نفسها، تأكيدا على أنّ المشاعر مهما تطرفت فهي مُصممة في أصلها لحماية الإنسان وإبعاده عن الأذى، إلا أنّ النهاية جاءت مُتعجلة بعض الشيء قبل أن تنضج الرؤى والتجارب على مهل.

لكن ذلك لا ينفي قدرة الفيلم على تقديم محاكاة فعلية لما يدور في تلافيف أمخاخنا الصغيرة، في الشروخات والتصدعات التي تدفع كرات الذكريات لأن تتدفق كنهر جارف، وكيف أنّ غلبة شعور على آخر يمكن أن يُغير بوصلة حياة أحدنا إلى الأبد، فلا يعود ما كان عليه. يظهر ذلك جليا عندما تذهب المشاعر إلى الجزء الخلفي من الدماغ لتُخلص «رايلي» من الذكريات السيئة قبل أن تبدأ في الترسخ عميقا. فتلك المقاربة المُشبعة بثراء المعنى حول التأكيدات الأولى التي ينبغي أن تنغرس في طفولتنا ومراهقتنا، تكشفُ لنا نحن الراشدين أيضا كم الأفكار التي لوثت ينابيع طفولتنا ومراهقتنا دون أن نعي أنّها تشوه حياتنا المقبلة!

هدى حمد – جريدة عمان

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى