آراء

فلسطين واحة مقدسة أم مساحة جغرافية؟!

فلسطين في سورة الإسراء «دِين»، وفي أدبيات السياسة «دَيْن» يجب على العالم أداؤه عاجلاً أو آجلاً. منذ أن أصبحت فلسطين قضية القضايا في العالم أجمع ولا تزال كذلك بنحو أو بآخر، أصبح التعامل معها بالمساحة الجغرافية مع مسح وطمس الحدود السياسية.

حتى الساعة السياسة عاجزة عن دفن التاريخ، ففي التلمود تأكيد صريح على يهودية الدولة الإسرائيلية، وليس علمانيتها، ففي نصوصها منع للصلح مع الفلسطينيين.
النظام العالمي يبدو أنه تماهى مع تحويل فلسطين إلى قطعة أرض لا علاقة لها بالقدس، ولا بالمسجد الأقصى، لذا يكثر الحديث اليوم، بل ويتورم عن الكيلومترات والأميال التي يراد إقامة دولة فلسطينية منزوعة منها المقدسات كافة، وليس السلاح فقط.
في هذه الفترة المتدحرجة، يعتقد بعضهم بأن المساحة يمكن سلخها من أي مكان رغماً عن إرادة الشعوب العربية والإسلامية.

فلسطين منذ التاريخ الغائر لا يمكن أن تكون دولة إلا بالأقصى والقدس، فلا يمكن تجريف الأرض ولا تهجير الشعب، ونقلهم إلى أي مكان آخر خال من تلك المقدسات الأزلية، ومن دونها لن تحل المشكلة، ولا تتحلل، ولن يوافق الشعب الفلسطيني، ولا الشعوب العربية و الإسلامية. لا تستطيع أي صفقة راهنة أو مقبلة إزالة رائحة فلسطين التاريخية، ذلك لأن تفاصيلها تظل ضرورية لأي سيناريو محتمل للتسوية، ومن دونها يلوح الفشل. ويظل العنصر الحاسم هو فك الارتباط داخل قلب الصراع العربي الإسرائيلي بين الديني و السياسي، وإلا سيبقى الصراع مستمراً، ونتائج أية مفاوضات صفراً على الشمال.
والقيام بهذه العملية سياسياً أصعب في الوقت الراهن بسبب تخلي أميركا عن دور الوسيط المقبول من كلا الطرفين، ومؤشر نقل سفارتها إلى القدس أقوى من أي دلائل أخرى جاءت تترى مع الجولان، وغزة، والضفة الغربية وسيناء.
إن الاستعجال في تغيير الواقع الفلسطيني لا يحقق السلام، ولا الاستقرار المنشود منذ عقود، فالإبل العربية في قضيتها المصيرية لا تورد على الماء بهذه العجلة التي تودي بالجميع إلى الغرق.

من الضروري إعادة عجلة السلام إلى مسارها الصحيح، ووضع ميزان الحقوق المسلوبة للشعب الفلسطيني حتى يتسنى وقف موجات العنف والإرهاب المستشري من حول العالم، وخاصة ممن يتذرعون بتحرير فلسطين شرطاً لازماً للقضاء على الإرهاب واستئصاله.فالمقدسات لا تنتزع من القلوب بالوسائل السياسية، وعبر الاتفاقيات الأمنية، فكيف إذا كان المقدس هو «القدس» والتي تمثل الأديان الثلاثة، وكذلك الأديان الأخرى تنظر إليها كالمقدس لديها.
إسرائيل «العلمانية»، ومن ورائها بعض التيارات الأميركية تلوذ بالتلمود بحثاً عن إسرائيل التاريخية التى تنص على أحقيتها ضم الجولان والضفة الغربية إلى حدودها الكبرى. وبالمقابل هناك من يرى أنه محرم على بلابل فلسطين الدوح، ولا البوح بأي تاريخ يخص فلسطين التاريخية.

مع أن التاريخ لا يحابي أحداً، حتى لو تعرض للتزوير، لأن الحقائق لا تطمس إلى الأبد، ففيه لا تستمر الأسرار ميتة لأكثر من ثلاثة عقود، فلا بد أن تحيى وتُحيى معها أمم.
فلسطين لن تتحول يوماً إلى مساحة في بقعة غير مباركة، والمشكلة في مخاطر تحولها إلى ساحة مفتوحة لصراع عقدي، تُجرى فيها اختبارات الحق والباطل بين كل أطراف هذا الصراع، وليس بين الطرفين المباشرين أو الظاهرين، فما تحت الجليد أكثر من سطحه، لأن طبيعة الصراع الذي يعتمد على الصفقات السرية تكون مدمرة بسبب عنصر الكشف المفاجئ.

د. عبدالله العوضي – صحيفة الاتحاد

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى