آراءأبرز العناوين

هل المال غاية أم وسيلة للحياة؟

امتلاك المال من الضروريات الأساسية التي لا غنى عنها لمختلف نواحي الحياة التي نعيش فيها، فهو أي المال الوسيلة الذي يمكن لأي إنسان في هذا الكون ولكن المال يحتاج إلى إدارة سليمة في تنميته بالدرجة الأولى ثم آلية إنفاقه بما يرضي الله، مثل إخراج زكاة المال وتسليمها لمستحقيها ضمن الفئات التي حددها الدين الحنيف، كذلك الحرص على الصدقة والوقف في سبيل الله والانفاق للاقربين من الناس. وعلى الرغم من ذلك هناك من يحب المال ويحرص على الاحتفاظ به وكنزه للمستقبل، ويصبح المال هو سيدا؛ ويتحول التاجر أو الثري إلى خادم للمال، وهذه الغريزة ارتبطت بمعظم أصحاب الملايين في مجتمعاتنا، ولكن هذه الثروات لا تستمر، فهناك من ينجح في جمع المال وتأسيس امبراطوريات من الشركات والمحلات التجارية ثم تأتي الأجيال الجديدة من الأبناء والاحفاد وتجد هذه الأموال وتقوم بتبديدها وانفاقها في سنوات قليلة، فالجيل الأول يؤسس المشاريع التجارية والجيل الثاني ينميها ويطورها، ثم تأتي الأجيال الثالثة أو الرابعة ويصرفها على الملذات والرفاهية غير المبررة لكونهم لم يتعبوا بتلك الثروة ولا يعرفوا كيف جمعت.

فالمواطن العربي البسيط يعاني الأمرين عند طرق أبواب الجهات المختصة التي يفترض أن توفر له حقوقه الأساسية للحصول على الأموال اللازمة التي مصدرها الوظيفة الثابتة كحق أصيل من حقوق الإنسان في هذا الزمن، ولكن هناك دائما تحديات تتذرع بها الحكومات في بعض الدول، كقلة الموارد وعدم القدرة على القيام بكل المتطلبات الضرورية للمجتمع، والسبب الحقيقي هو الرغبة في انفراد الطبقة العليا من المتنفذين والقادة العسكريين بالأموال والمناصب دون غيرهم لكي تضمن لهم توزيع تلك المزايا والثروات على عدد قليل من الناس، بينما يبقى السواد الأعظم من الناس فقراء ومحتاجين، مما يترتب على ذلك ظهور التوترات والقلاقل بين افراد المجتمع، كما حصل فيما يعرف بالربيع العربي 2011 حيث انتفضت الشعوب العربية على الأنظمة الحاكمة ثم تحول ذلك إلى زلزال غير مسبوق في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، إذ طالب جميع الذين خرجوا إلى الشوارع بمحاربة الفساد؛ وكذلك إعادة توزيع الثروة على المستحقين من أبناء الطبقة المسحوقة، ولكن القليل من المسؤولين قد تعلموا من تلك العبر والدروس.

ومن المفارقات العجيبة في بلاد العرب تحول المسؤول إلى واحد من اصحاب الثروات الطائلة بعد سنوات قليلة من توليه المنصب الوزاري، وذلك من الهبات التي يحصل عليها من السلطات العليا، كما تظهر مشكلة أخرى تتعلق بالجمع بين كرسي الوزارة والاستمرار في ممارسته للتجارة، حيث تتضارب المصالح الخاصة والعامة. وحول النزاهة ومنع تضارب المصالح واستغلال الوظيفة الحكومية لجمع المال، أتذكر بعض المواقف الاستثنائية النادرة التي حصلت في هذا المجال. ففي عقد السبعينيات من القرن الفائت تعين ابن شقيق الملك أميرا لإحدى المناطق في ذلك البلد العربي، وبعد عدة أشهر من تولي الأمير مهامه انشغل بالتجارة، إذ أصبح وكيلا لواحدة من أشهر وكالات السيارات في العالم، فإذا بعمه الملك يكتب له الرسالة التالية «اختر بين الإمارة والتجارة.. لا يمكن لكم الجمع بين الوظيفتين، فإن ذلك مفسدة». وأضاف «اقترح لكم ترك فرصة لأبناء المنطقة؛ ليتولى أحدهم وكالة السيارات بدلا منك».

في واقع الأمر لا يوجد بلد فقير في هذا العالم ولكن يوجد اشخاص يجنحون إلى الانانية وحب الانفراد بالمال العام وجمع الملايين لكونهم في السلطة، ودائما هناك أمثلة لدول تصنف بأنها كانت فقيرة، لكونها تدار من قبل حكومات غير رشيدة؛ ولكن وصول مؤسس سنغافورة (لي كوان يو) إلى السلطة في منتصف القرن الماضي، والذي شبه أسلوبه في محاربة الفساد في بلده من أعلى القمة، بكنس الدرج من الأعلى من أقوى نماذج محاربة الفساد في العالم، فقد أصبحت هذه الجزيرة الصغيرة في شرق اسيا واحدة من أفضل الدول المتقدمة ومسجلة في نفس الوقت أكبر عدد من المواطنين الذين يملكون الملايين، ثم أتى بعده في مطلع الالفية الجديدة الرئيس الرواندي (بول كاغامي) الذي كانت بلده تعاني من الحروب الأهلية والفقر ثم تحولت إلى أكبر سوق مفتوح في افريقيا، وسجلت هذه الدولة التي تفتقد الموانئ والمنافذ البحرية أكبر نمو اقتصادي في العالم، وذلك بفضل تطبيق مبدأ «من أين لك هذا؟»، فقد ذهب الرئيس المنتخب وزوجته عند تولي الرئاسة إلى إدارة الرقابة المالية في بلده لكي يكشفا عن أملاكهما المتواضعة، ثم طلب من خمسة آلاف موظف يعملون في الوظائف العليا بالقيام بذلك أمام هيئة الرقابة المالية لجمهورية رواندا.

وفي الختام، لا شك بأن المال يشكل عصب الحياة ولكنه في نفس الوقت ليس غاية أبدية بحد ذاته، فهو فقط وسيلة لتحقيق متطلبات الحياة الكريمة لأي إنسان في هذا الكون، ومن المؤسف حقا اهتمام الأشخاص، بل وبعض الحكومات بكنز المال على حساب حاجة المجتمع، خلصت الدراسات إلى أن الحكومات العربية أنفقت خلال آخر عقد ونصف أكثر من ألف مليار دولار، وعلى الرغم من ذلك، فإن العرب أكثر ضحايا الحروب والتعذيب، بسبب قمع بعض الأنظمة الاستبدادية لشعوبها، واستخدام السلاح لحماية الكراسي وليس للدفاع عن المقدسات والأوطان.

د. محمد بن عوض المشيخي – الشرق القطرية

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى