آراء

ولا هتاف فى الحج

لا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج، بنص القرآن الكريم، وإلى اللاءات الثلاث، أضيفت «لا هتاف»، منذ أن حاولت تنظيمات، جماعات، وقوى سياسية استغلال موسم الحج لتحقيق أهدافها. وعليه، لم يكن غريبًا أو مفاجئًا تأكيد العقيد طلال الشلهوب، المتحدث باسم الداخلية السعودية، أمس الأول، الجمعة، أن بلاده لن تسمح بتحويل المشاعر المقدسة لساحة للهتافات البعيدة عن مقاصد الشريعة الإسلامية.

أيضًا، أكد الدكتور ماهر بن حمد المعيقلى، إمام وخطيب المسجد الحرام، فى خطبة يوم عرفة، أمس السبت، أن الحج «ليس مكانًا للشعارات السياسية ولا التحزبات، مما يوجب الالتزام بالأنظمة والتعليمات التى تكفل أداء الحجاج مناسكهم وشعائرهم بأمن وطمأنينة». وإنْ لم يفت المعيقلى أن يطالب حجاج بيت الله الحرام بالدعاء «لإخواننا فى فلسطين، الذين مسهم الضر وتألموا من أذى عدوهم سفكًا للدماء، وإفسادًا فى البلاد، ومنعًا من ورود ما يحتاجون إليه من طعام ودواء وغذاء وكساء».
طوال أربعين سنة تقريبًا ظلت محاولات «تسييس الحج» من أهم أسباب توتر العلاقات السعودية الإيرانية. وحدث سنة ١٩٨٧، مثلًا، أن قام حجاج إيرانيون بالتظاهر، خلال مناسك الحج تحت شعار «إعلان البراءة»، بدعوى، أو بزعم، وقوف المسلمين فى مواجهة المُشركين والتصدى للمظالم التى يواجهها العالمى الإسلامى، ما تسبب فى صدامات دامية بين الحجاج الإيرانيين وقوات الأمن السعودية ترتبت عليها مقاطعة طهران لمواسم الحج بين سنتى ١٩٨٨ و١٩٩٠. لكن مع تولى هاشمى رفسنجانى ثم محمد خاتمى، الحكم فى إيران، اتخذت هذه المظاهرات طابعًا شكليًا، وجرى تنظيمها خارج مكة، لمجرد تصوير لقطات يبثها التليفزيون الإيرانى الرسمى، ويصفها بأنها مظاهرات للمؤمنين ضد الصهيونية والشيطان الأكبر.

هذه المظاهرات، تخلت عن طابعها الشكلى، سنة ٢٠١٥، وصاحبتها تصريحات عدائية للمرشد الإيرانى، سنة ٢٠١٥، وتكررت معها دعوات «تدويل الحج»، بسبب حادث تدافع خلال مناسك الحج كان حوالى ٤٠٠ إيرانى من بين ضحاياه. ووقتها، طالبت إيران بتأسيس هيئة مستقلة، للإشراف على الحج، وهو ما تكرر لاحقًا فى محاولة للضغط على الدول العربية الأربع الداعية لمواجهة الإرهاب، ما دفع عادل الجبير، وزير الخارجية السعودى السابق، إلى التهديد، فى ٣٠ يوليو ٢٠١٧، على هامش الاجتماع الرباعى فى المنامة، بأن السعودية تحتفظ بـ«حق الرد على أى طرف يعمل على تدويل المشاعر المقدسة».

تأسيسًا على ذلك، كان من المتوقع أو المفترض أن يسهم الاتفاق الذى عقدته السعودية مع إيران، فى مارس ٢٠٢٣، بوساطة صينية، فى تخفيف حدة التوتر بين الجانبين، غير أن المرشد الإيرانى، لم يتوقف عن محاولات تسييس الحج وقال فى الشهر التالى مباشرة، إن «الكعبة تعد رمزًا للانتفاضة»، «الهدف من الحج هو الرقى للأمة الإسلامية ووحدتها أمام الكفر والظلم والاستكبار والأصنام البشرية وغير البشرية» وبوضوح أكثر، طالب المسلمين بـ«أن يُظهروا أنفسهم أمام الكيان الصهيونى والقوى المستكبرة».

فى هذا السياق، اتهم زميلنا عبدالرحمن الراشد، القريب من دوائر صنع القرار فى السعودية، «الجماعات الموالية لإيران من حوثيين وميليشيات عراقية» بالتخطيط «لإفساد مناسك الحج، وتحويلِ الموسم الدينى إلى مناسبة سياسية»، لافتًا، فى مقال نشرته جريدة «الشرق الأوسط»، أمس السبت، إلى أن «مثل هذه النشاطات ليست عفوية، حيث يتمُّ ترتيبها مسبقًا سياسيًا وأمنيًا، ولا يُستبعد أن قوى فى إيران خلفها، رغم الوعود التى قطعتْها الحكومة الإيرانية بعدم إثارة المشاكل فى موسم الحج وفى المملكة بشكل عام».

.. وأخيرًا، نتفق، تمامًا، مع الراشد فى أن «فتح الباب للنشاطات السياسية فى الحج سيؤدى إلى تأجيج العداوات والنفخ فى الحروب»، لأن ما بين المسلمين من خلافات موروثة، أعظم خطرًا من أحداث غزة. كما نرى، ومعنا عقلاء كثيرون، أن إسباغ البعد الدينى على القضية الفلسطينية يتيح للآلة الدعائية الإسرائيلية أن تسحب هذه القضية العادلة إلى ملعبها، ملعب «أرض الميعاد»، وأن تقوم بتصويرها أو تصديرها للرأى العام العالمى على أنها صراع بين يهود ومسلمين، وليس بين المحتلِّين وأصحاب الأرض.

ماجد حبته – جريدة الدستور

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى