آراء

ليس من حقهم مهاجمة الإعلام العربي

لطالما تعرّض الإعلام الغربى للنقد والهجوم على مدى عقود خلت؛ وقد حدث ذلك مبكراً جداً حين ظهر الانحياز السافر لمصلحة إسرائيل فى صراعها مع العرب فى المقاربات الإعلامية الغربية، وحين تم تحصين هذا الانحياز بقوانين وقواعد تحت لافتة كبيرة برّاقة اسمها «معاداة السامية».

ورغم ذلك النقد والهجوم، الذى استند فى بعض الأحيان إلى ذرائع وجيهة وتمتّع بأدلة دامغة، فإن هذا الإعلام الغربى لم يفقد الكثير من بريقه وتأثيره، بل ظل فى مفاصل كثيرة قادراً على الإلهام، خصوصاً عند تحقيق الاختراقات الكبرى فى كشف وقائع الفساد، وعند التصدى لنقد النّظم الغربية، وغيرها، وكشف ما قد تنطوى عليه من عوار.

وفضلاً عن ذلك، فقد تحوّلت الممارسات الإعلامية الرشيدة التى انطوى عليها الإعلام الغربى إلى أدلة ومعايير انتظمت فى مساقات أكاديمية، وطوّرت ميراثاً كاملاً من القواعد ضمن ما عُرف بـ«التنظيم الذاتى»، وهو ميراث ظل منهلاً للتعلم والتطوير فى مناطق مختلفة من العالم، ومنها منطقتنا بطبيعة الحال.

لكن الإعلام الغربى تلقى الكثير من الضربات أخيراً، وهى ضربات أثرت تأثيراً واضحاً فى مصداقيته وقدرته على الإقناع، وقد توزّعت تلك الضربات على مسارى الإعلام «التقليدى» و«الجديد»، حيث تورّطت منابر إعلامية كثيرة فى المسار الأول فى انحيازات حادة، وأظهرت ميولاً عنصرية فى تغطية حرب غزة.

وفى تلك الحرب بدا واضحاً أن قطاعات واسعة من الإعلام الغربى نهجت نهجاً منحازاً، وصل فى بعض ذراه إلى الاختلاق والتزييف الكاملين، بغرض مناصرة الجانب الإسرائيلى، خصوصاً فى الأسبوع الأول من اندلاع عملية «طوفان الأقصى»، وحين كانت الصور والفيديوهات المتداولة تتحدّث عن تقدّم ميدانى لـ«حماس»، و«انتهاكات بحق مدنيين إسرائيليين».

وقبل حرب غزة، كان قطاع كبير من الإعلام الغربى على موعد أيضاً مع إحدى زلاته الكبرى، حين تورّط فى أخطاء فادحة خلال تغطية الحرب الروسية – الأوكرانية.

ومن جانب آخر فإن وسائل «التواصل الاجتماعى»، التى تُدار بواسطة شركات غربية كبرى، وتخضع لمتابعة قانونية من الحكومات والمؤسسات التشريعية فى الغرب، تورطت بدورها فى أخطاء لا تُحصى.

من بين تلك الأخطاء ما يتعلق بشيوع المعلومات الزائفة والتضليل، وانتهاك الخصوصية، وإثارة الكراهية، فضلاً طبعاً عن الدور السلبى الخطير الذى لعبته فى مواكبة أزمة جائحة «كورونا»، إلى حد أن تلقت اتهامات أممية بمساهمتها فى مفاقمة مخاطر الجائحة وتعويق عمليات الوقاية.

وفى الشأن السياسى، بدا أن تلك المنظومة الآخذة فى الاتساع والمتعاظمة فى التأثير، تتأثر أيضاً بتوجّهات سياسية، حيث لعبت أدواراً ملتبسة ومشبوهة فى عمليات سياسية رئيسية، وعشرات الانتخابات فى دول كثيرة، وصولاً إلى ما بات واضحاً من أنها استُخدمت من أجل تعزيز فرص تيارات سياسية معيّنة على حساب تيارات منافسة.

ولذلك لم يكن مُستغرباً أن تتورّط مراكز بحوث غربية، وكتّاب غربيون، فى شن هجمات على التوجّه العام للتغطية الإعلامية العربية لأحداث غزة، ومحاولة انتقاد أنماط أداء إعلامية عربية مناصرة للغزيين ومنتقدة للسياسات الإسرائيلية، بداعى أن تلك الأنماط تعكس «عداءً للسامية»، وتنقطع عن الالتزامات المهنية المرعية.

والواقع أن الإعلام العربى يرتكب الأخطاء مثله مثل أى إطار إعلامى آخر فى العالم، لكنه لا يقدّم نفسه بوصفه موضع إلهام للآخرين، كما أن المؤسسات الإعلامية والمنظمات المعنية بالعمل الإعلامى فى العالم العربى لا تضع نفسها فى موضع «الأستاذية»، ولا تُفرز الآخرين لجهة وفائهم بالمعايير التى تنادى بها، لكن الإعلام الغربى، وبعض المنظمات والأكاديميات المعنية فى الغرب تفعل ذلك عادة، وهو أمر يستوجب الكثير من الالتزام، والمراجعة الدقيقة، وقبول الانتقادات، والتقويم المستمر.

يجب ألا يأمر الإعلام الغربى الآخرين بالبر وينسى نفسه، كما ينبغى ألا يطالب الآخرين بانتهاج قيم مهنية معينة من دون أن يلزم نفسه بذلك أيضاً.

من الضرورى أن تجرى مراجعة فى الجسم السياسى والثقافى والإعلامى الغربى للسقوط المتتالى فى محكات مختلفة فى الفترة الأخيرة، كما يجدر أن تظهر علامات على الاعتراف بهذا العوار الذى ضرب المنظومة الإعلامية بمساريها الرئيسيين، ورغم أن تلك المراجعة قد لا تُثمر تغييراً جوهرياً فى هذا الصدد، فإن الاعتراف بالخلل يبدو مهما وضروريا، وربما يُعزّز الأمل فى محاولات جادة لتجاوز هذا القصور.

وعلى الجانب الآخر، فقد تصاعدت أصوات بعض النقاد والإعلاميين فى دول العالم الثالث، الذين يرون أن الموضوعية وعدم الانحياز فى الممارسات الإعلامية مجرد خرافة، وهؤلاء يؤكدون أن وسائل الإعلام كلها منحازة بدرجة أو بأخرى، بل يذهبون إلى أبعد من ذلك حين يصرون على أن الانحياز قيمة مُستساغة، وربما «ضرورية»، فى العمل الإعلامى، سواء كان فى معرض الرأى أو مجال الخبر.

والشاهد أن هذا التوجّه غير سليم، ولا يخدم مصلحة الجمهور أو الحقيقة أو مهنة الإعلام، حتى لو وجد ذرائعه فى أن الغرب الذى رفع لواء المهنية والموضوعية فى العمل الإعلامى يمارس انحيازاته ويخرق قواعده لتحقيق مصالح سياسية أو مكاسب مالية.

إذ يجب أن يظل الالتزام بالمعايير المهنية فى العمل الإعلامى شرطاً ضرورياً وفضيلة يجدر الحرص عليها فى مختلف الأوقات وتحت أى ظروف.

ياسر عبدالعزيز – الوطن نيوز

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى