التحركات الأميركية.. والخيارات المرتقبة في الشرق الأوسط

لا تزال الإدارة الأميركية تتحرك في دوائر محددة ومنضبطة ظهرت بوضوح في جولة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بيلنكن، وفي إطار ما يجري من تطورات مفصلية في ملف الحرب على قطاع غزة خاصة مع تواصل المواجهات الراهنة من الأطراف المعنية، وعدم وجود أفق سياسي أو استراتيجي لموقف المواجهات الراهنة، والتي تنفتح على سيناريوهات متعددة جزء منها مرتبط بحالة الصراع الحالية، وطبيعتها وجزء آخر مرتبط بما تخطط له إسرائيل من خيارات متعلقة بإدارة المواجهة على مستوياتها المختلفة خاصة مع انفتاح بنك الأهداف الراهنة، واستئناف سياسة الاغتيالات التي قد تجدد في الفترة الأخرى ليس على المستوي الفلسطيني بل وعلى مستوى «حزب الله»، كما يجري في الوقت الراهن، وعلى مستوى الداخل الفلسطيني مما سيعيد الخيارات التوافقية، ولو في مستواها المبدئي إلى المربع رقم صفر، وما يعطي لإسرائيل مسار للاستمرار في المواجهة وتحقيق كامل أهدافها، أو على الأقل الاستمرار في اعتماد خيار المواجهات وعسكرة الأزمة بكل تفاصيلها التي تتشكل في الوقت الراهن، ما يؤكد أننا أمام مرحلة جيدة من المواجهات المتجددة برغم انخفاض مستوى الاستهدافات، بعد أن دخلت العملية العسكرية مرحلتها الثالثة، والتي تركز على الأعمال النوعية في عمق القطاع.
ولعل التحرك الأميركي في الشرق الأوسط – كما بدا من جولة وزير الخارجية الأميركي بلينكن – وتتالي الاتصالات والاجتماعات الأميركية الإسرائيلية، ما يؤكد أن التنسيق لافت والدعم بارز ومستمر، ولن يتوقف، وأن ما نقل لدول الجولة يمضي في إطار ترسيم حدود للمستقبل وإدارة القطاع، وإنهاء الصراع الراهن، ما يعني تبني السردية الإسرائيلية، خاصة أن الولايات المتحدة انخرطت في دعم وتبني الموقف الإسرائيلي برغم بعض التباينات الشكلية، وليس الجوهرية مع ابداء بعض التحفظات على المخطط الإسرائيلي، وإن اتفقت الرؤى بالفعل في إطار ما يجري، وإنْ كان التركيز الرئيس للإدارة الأميركية محاولة معرفة ما الذي يجري في الدوائر العسكرية، وخطط الحرب والمواجهات الراهنة خاصة مع بدء الترتيبات الأمنية والاستراتيجية التي تحاول إسرائيل العمل عليها، والشروع في تنفيذها خاصة مع تتالي التطورات غير التقليدية في منطقة الجنوب، وخاصة بالقرب من خان يونس وتصميم إسرائيل على الاتجاه في مسار محدد، وهو ما تعترض عليه الإدارة الأميركية، وترى أن إقامة منطقة آمنة في عمق القطاع، قد لا يكون الإجراء المناسب في الوقت الراهن مع الاعتراض على تقليص مساحة القطاع من خلال ما سيتم.
في كل الأحوال تبدو الإدارة الأميركية غير راغبة في أي صدام، بل التنسيق الإجرائي والجوهري ما يؤكد أن الاستراتيجية الراهنة لإدارة الرئيس بايدن عدم الصدام مع إسرائيل، بعد أن توقف حديث الإدارة الأميركية عن تغيير شكل الحكومة، أو مكوناتها الحالية خاصة، وأن بعض وزراء نتنياهو يصعدون في تصريحاتهم، ما يحرج الإدارة الأميركية خاصة مع توجيه خطاب للجمهور الإسرائيلي في المقام الأول مما يعلى من حضور الحكومة بكل مكوناتها، وليس فقط رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو فقط، مما يؤكد أن التباين الرئيس بين واشنطن وتل أبيب في إدارة المشهد وليس فقط في إيجاد صيغ للتعاون فقط. الدعم الأميركي متواصل، ويمضي في سياقات محددة جزء منها مرتبط بالانتخابات الأميركية المقبلة، وبحدود الشراكة الأمنية والاستراتيجية خاصة أن الإدارة لا تريد فرض الخيارات من أعلى على الجانب الإسرائيلي، أو رفض الإجراءات التي تقوم بها إسرائيل في الضفة والقطاع، خاصة أن الإدارة لا تزال تؤيد خيار حل الدولتين، وتعمل على طرحه في الدوائر الدبلوماسية انطلاقا من موقف راسخ ومهم، لكن المشكلة الرئيسة في هذا الإطار ترتبط بنهج التفاوض، أو العمل معاً، خاصة مع تواصل الدعم والتنسيق والارتباط المؤسسي بين الجانبين من خلال استمرار الحوار الاستراتيجي بينهما حول القضايا محل الاهتمام المشترك.
وفي هذا الإطار سيكون من الصعب فرض رؤية أو مقاربة أميركية على الجانب الإسرائيلي في أية ترتيبات مزمع طرحها، أو العمل عليها من جانب إسرائيل بل، وان إسرائيل ستتشدد استقواءً بموقف واشنطن، ما يؤكد أن الإدارة الأميركية تعمل في مساحات محددة ومهمة من خلال توثيق مجالات التعاون الاستراتيجي، وتوفير الحماية لإسرائيل في إطار شراكتهما الأمنية والاستراتيجية الممتدة، والتي تتوثق في إطار الثوابت المطروحة، وتعمل في أطر واضحة من الدعم الأميركي استراتيجياً وسياسياً، وهو ما قد يوفر للجانب الإسرائيلي مظلة دولية حقيقية للتعامل في سياق المصالح المشتركة بدليل استمرار الدفاع عن الموقف الأميركي بصورة كبيرة، ورفض أي انتقادات توجه للممارسات الإسرائيلية الإجرامية التي تقوم بها إسرائيل في قطاع غزة، وبما يحرض فعلياً على الاستمرار في نهج التصعيد.
كل هذا يتطلب مخاطبة الرأي العام، والعمل على تبني استراتيجية عربية تجاه السياسة الأميركية الراهنة، والتي لا تريد أن تكون وسيطاً موضوعياً على الأقل، ومنصفاً للحقوق خاصة أن السلوك الأميركي منح إسرائيل شيكاً على بياض في الاستمرار في نهجها الراهن، وقد يشجع على فرض خيارات القوة، وتوظيفها في فرض استراتيجية الأمر الواقع ما بعد وقف إطلاق النار، وإدارة القطاع.
د. طارق فهمي – أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.
صحيفة الاتحاد
