Site icon كوش نيوز

في سيرة صباح يشبه «فيروز»

في صباح كهذا الذي يشبه خد فتاة نعشقها حدّ التعب والوجد، لا نبتغي منه إلا العافية، وبقاء المودة، وطول الود، صباح نتمناه خالياً من الأشياء المضجرة، تلك التي تخلق الضجر في حياة الفنانين والأدباء، وتعكر صفو فجرهم الندي، وتسرق منهم فرح الصبح البكور، هذا الوقت لهم، ولا يتنازلون عن امتلاكه أو القبول بشراكة فيه، حتى الوظيفة العمومية تظل تضيق عليهم، لأنها تقتسم معهم صباحهم الحلو، هو لهم بمسمياته الكثيرة، وطقوسه العديدة، وهو الأقرب لأجنحتهم التي تشبه خفق الطيور في رواحها وغدوها وبكورها، بحثاً عن الهدوء والسكينة والطمأنينة، والبعد عن صغائر الأمور القاتلة.

مدركين أن الإنسان يمكنه أن يشرب من الخير، ولا يعرف الأذى، ويغرف من الحب، ولا يتعرف على الظلم. هؤلاء الجميلون في الحياة، رغم استصغارهم من المتعاملين مع النقد، المتكالبين على نعيم الدنيا الذي لا يعرفونه، جماعة الدراويش هؤلاء يستقبلون فاتحة صباحهم بطقوسهم المختلفة والمختارة، والتي لا تضر أحداً، ولا يمكن أن تبغض أحداً.. – واحد يذهب باتجاه الماء والمناشف القطنية الملونة وروائح الصابون والعطور، يشعر أن الصباح غير مكتمل إن غابت رائحة أنثى يعشقها، ويتذكرها حد الوجع، صباح هذا الفنان مفروش بالعشب، ملون بالطيب، ويتمناه للكثيرين.- آخر يحب أن يتدثر بتلك البيجامة القطنية الثقيلة، مستشعراً قرصة البرد على الشرفة، يختلط صباحه بتلك القهوة المُرّة، وعودين من السيجارة، وصوت فيروز قادماً من راديو ما زال بعافية زمان، ويذكره بأيام زمان، يفرح بسقاية تلك الزهور التي تعطي لصباح هذا المبدع كل يوم ألقاً إن نهضت في صباحها، وقلقاً إن ذوت في مكانها.

– صباح يتمطى كسلاً ذلك الذي يجبر هذا الكاتب الذي ما إن يستيقظ حتى يجعل عقارب ساعته تمشي وفق إيقاع من المهل، وبلا عجل، فتصبح ساعته كساعة «دالي» اللينة، والمنسابة والمتماهية مع الضوء والظل، يحب كل الأشياء أن تأتيه ليفرح بها ومعها بطريقته، فالفطور ليس جميلاً كما يعتقد إلا على السرير، وكأس الشاي يظل يشربه كلما فتر، وتغيرت طبيعته، بعد فطوره الكسول، يفرح بتلك النومة القصيرة على «الكنبة»، وكتابه على صدره، مكملاً حلم المساء.
– واحد هو صديق الفنادق، يهرب بفرح من منزله إلى ردهة الفندق الكبير الباردة، يختار زاويته المعتادة، يتلذذ بشرب قهوته كطفل أدرد، تزاغي قلبه الأفواج الداخلة والأفواج السارحة باتجاه ما يعشقون، يجد متعة كالقراءة حين يتأمل الوجوه، وتضحك جوارحه لمرأى فتاة أجنبية متوائمة مع حالها، ولا يهمها من حولها ولا أمامها أو خلفها، هي سيدة ذلك الحيز، وبراحة المسافة، يسافر معها ممتطياً خياله للحظات.

متذكراً أنثى رعوية، وثغاء بهم، وحنين ناي، ثم يفزع، وينكمش على ذاته حين يشعر بقشعريرة تلك الردهة الباردة، والزجاج الواقف، ومدينة ملأى بالسيارات، ويبدأ في تناول فطوره المعتاد بعد أن يشكر تلك النادلة الفلبينية مرتين.- واحد يهرب بصباحه بعيداً حينما وحيثما يتوحد به، مرة يمشي بسيارته على غير هدى، لا ينشد غير تلك المتعة الدافئة، مرة يقوده إلى أماكن الطفولة في مدينته التي تغيرت عليه كثيراً، ومرة يريد أن يصمت ويبوح له بأسرار تثقل قلبه، ومرات يحب أن يجلس معه تحت ظل شجرة اللوز التي هرمت كثيراً، وغدت كأرملة يريحها النواح.
– صباح الجميلين والدراويش والصعاليك المتأنقين، والذين على باب الله.. صباحهم غير خال من عافية وفرح وألوان تعطر القلب.. وباتجاه ما يعشقون، مثلما هو بالتأكيد صباح «فيروز» الذي لن يعرف تلك المشاجرة باكراً مع جارتها العجوز!

ناصر الظاهري – صحيفة الاتحاد

Exit mobile version