آراء

من الذي لا يحب الأشعة فوق البنفسجية؟

لقد حبانا الله بنعمة العقل لصنع ما يلزم من الأدوات المفيدة لنا فى كافة المجالات، وما سأختص بذكره في هذا المقال هى المصادر الضوئية الصناعية للأشعة فوق البنفسجية.

ولم يكن يستطيع الإنسان صنع مثل هذه المصادر إلا بعد ما عرف أن هناك مثلها موجودة في الطبيعة، ومن ثم اجتهد بكل الوسائل المتاحة لمعرفة خصائص هذه المصادر أو الأشعة الكهرومغناطيسية الطبيعية كى يتمكن من صنع مثيلاتها الصناعية.

لكن من اين تأتي هذه الأشعة الطبيعية وما هو مصدرها؟

الشمس، ذلك النجم الذى خلقه الله ليكون مصدرًا للحياة على الأرض، ذلك النجم الذى يشع كافة الأشعة الكهرومغناطيسية والتي لا يصل إلى الأرض منها إلا القلة القليل لإفادة الارض وإعمارها.

هذه الاشعة المتوغلة في الفضاء الصادرة من الشمس تشمل الأشعة المرئية وفوق البنفسجية وأشعة إكس وتحت الحمراء، وكذلك أشعة جاما، ومع ذلك فإن معظم هذه الأشعة لا تصل إلى الأرض نتيجة وجود الغلاف الجوي الذي يحمي الكوكب من كافة الأشعة غير اللازمة للحياة.

فقد كشفت القياسات العلمية أن الأرض تصل إليها الأشعة فوق البنفسجية (أ) و (ب) بنسب مختلفة أما (ج) فهي لا تصل إلى الأرض وتمتص في الغلاف الجوي.

لكن هل هذه الأشعة المحجبة عن الأرض فعلا غير مفيدة؟

لقد دفع الفضول الإنسان لاكتشاف مثل هذه الأشعة وماهيتها وموجاتها وأين تقع أمديتها ضمن نطاق الأشعة الكهروضوئية، وأيضا احتمالات استخداماتها المفيدة، وسنركز أكثر فى هذا المقال للحديث عن الأشعة فوق البنفسجية ولماذا هى مفيدة.

طبقا للدراسات، فقد تم تقسيم هذه الاشعة إلى ثلاثة نطاقات، أشعة فوق بنفسجية (أ) و(ب) و(ج) وكل له استخداماته وتطبيقاته، أما الأشعة (أ) فهي تستخدم على سبيل المثال لا الحصر فى الآتى: تعريض حيوانات التجارب لدراسة مدى تأثير هذه الأشعة على جلودها وأنظمتها الحيوية، يمكن استخدامها أيضا للكشف عن اللحامات والشقوق فى الخزانات والمواسير وكذلك محركات الطائرات، تستخدم أيضا بكثافة هذه الأيام في الكشف على العملات وعمليات الطباعة المختلفة، كما من الممكن استخدامها على نطاق ضيق للعلاجات.

وأما الاشعة (ب) فهى مخصصة أكثر فى التطبيق العلاجي لمختلف أمراض الجلد بجانب فائدتها الطبيعية في إنتاج فيتامين د، وأخيرا الأشعة (ج) فهى أساسا مخصصة لأغراض التعقيم؛ سواء تعقيم المياه في المحطات أو الأدوات أو حتى فى الأسطح الداخلية لكبائن التعقيم البيولوجية.

تكمن أهمية الكبائن البيولوجية فى استخداماتها العديدة والتى على سبيل المثال تعقيم الأدوات والأدوية والعينات، وفى حالات انتشار الأمراض والأوبئة مثل جائحة كورونا ظهرت أهميتها أكثر.

وتنتشر أماكن تواجد مثل هذه الكبائن فى معامل مختلفة منها الرقابية أو البحثية او حتى الخدمية حفاظا على صحة القائمين بالمعمل وتيقنا من جودة النتائج التى قد تؤدى فى الغالب إلى اتخاذ قرارات حاسمة بشأن أى عينة.

وعليه فإن منظومة التعقيم داخل هذه الكبائن تعتمد على عدة مراحل من أهمها التعقيم باستخدام الأشعة فوق البنفسجية (ج) مع اختلاف تصاميمها وترتيبها وتوزيع المصادر داخل الكبائن، والتى فى الغالب تهدف الى توفير أعلى نسبة تعريض (تعقيم) للسطح المعنى للتعريض تحت هذه المصادر.

وهنا يأتي دور المعايرة والاختبار وأهميتها لمثل هذه الكبائن للتأكد من كفاءتها من ناحية الشدة والجرعة لتحقيق أقصى استفادة للمستخدم ليتمكن من تحديد الجرعات المطلوبة طبقا لجداول ونشرات عالمية بالجرعات المناسبة والمطلوبة لكل جسيم دقيق يقوم بتثبيطه والقضاء عليه.

تتكون أنظمة التعقيم فى الكبائن البيولوجية من نظامين أساسيين أحدهما لن يعمل بكفاءة دون الآخر، هذه الأجزاء هى لمبات الأشعة فوق البنفسجية (ج) ونظام لشفط الهواء من داخل الكابينة.

من المعروف أن أهم وظيفة لهذا النظام هي سحب الهواء من داخل الكابينة وحبسه للتأكد من أن الوسط الداخلي للكابينة خال ومعقم من أي فيروسات او بكتيريا.

كما ذكرنا فإن الهواء المسحوب يكون محملًا بالفيروسات والبكتيريا، إذن كيف الحال لو تم حبس مثل هذه الكائنات فى مكان ضيق خالٍ من الاكسجين؟ طبعا سيتكاثر وينشط أكثر في مثل هذه البيئة المناسبة له تماما مخلفة قنبلة موقوتة، لأن في حالة حدوث أي ثقب أو تسريب لمثل هذه الكائنات ورجوعها داخل الوسط الداخلي للكابينة من الممكن أن يؤدي إلى تلوث السطح المعرض أو العينات أو حتى الأدوية مما يعطى أحكامًا خاطئة لمدى سلبية أو إيجابية بعض العينات.

لذلك وجب وجود وتفعيل استخدام لمبات الأشعة فوق البنفسجية (ج) داخل الكبائن، وتكمن أهمية هذه المصادر في أنها مسبب أساسي للقضاء على الجسيمات الدقيقة للبكتيريا والفيروسات؛ حيث إن مدى هذه الأشعة له القدرة المباشرة لتدمير الحمض النووي للخلايا الوراثية لهذه الجسيمات، ومن ثم إحباطها وتثبيط حيويتها ومنعها من التكاثر.

إذن من المهم جدًا وجود مثل هذه المصادر والحرص على تشغيلها بالجرعات المناسبة لكل نوع جسيم حيوي دقيق حتى يتم القضاء عليها داخل حيز الكابينة، ومن ثم التأكد من أن الهواء المسحوب داخل نظام شفط الهواء خالٍ تمامًا من هذه الميكروبات بصورة حية.

لهذا وجب النظر والأخذ فى الاعتبار أهمية اختبار كفاءة مثل هذه المصادر فوق البنفسجية (ج) داخل الكبائن البيولوجية عن طريق التأكد من الجرعة الإشعاعية وقياس كمية الطاقة الإشعاعية الساقطة على السطح المعرض بأجهزة كواشف متخصصة حتى نطمئن إن كانت هذه المصادر تعمل بكفاءة أم بحاجة إلى استبدالها بمصادر أخرى بشدة أعلى لضمان جودة التعقيم.

ومن حسن الحظ أن المعهد القومي للمعايرة فى مصر يحوي معملًا معتمدًا فى هذا النشاط من قبل المركز الوطنى للاعتماد، وعلى كفاءة ودراية لاختبار مثل هذه المصادر فوق البنفسجية وكبائن تعقيم بيولوجية.

د. سماء فرماوي – بوابة الأهرام
* دكتور باحث – المعهد القومي للمعايرة

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى