آراء

علمانيون وإسلاميون.. جدالات فى الثقافة العربية

هذا كتاب مثير، ليس لأنه حوارات مع أسماء مهمة فى الثقافة العربية فقط، فهذا قد يتحقق لكثير من الصحفيين، لكن بما فيه من أسئلة، وأحيانا مشاغبات، جاءت بكثير من الإجابات الهامة. الكتاب من إصدار دار جداول البيروتية، كاتبه هو الكاتب والصحفى السعودى على مكى، الذى كان ولا يزال محررًا فى أهم الصحف السعودية، وساهم فى تأسيس بعضها، مثل صحيفة الوطن، ويعمل حاليًا اختصاصيا لإعلام المملكة فى جامعة الملك عبد الله بن سعود للعلوم والتقنية (كاوست). أخذه الشغف بالصحافة وهو لا يزال طالبًا فى الدراسة الثانوية، ثم الجامعة، ولمن لا يعرفه، فحين تقرأ الحوارات تعرف كيف ينطبق عليه قول عبد المحسن يوسف، الذى كان مديرا لتحرير جريدة عكاظ فى تقديمه للكتاب «فى محبة سيد الجرأة والمشاكسة والهم النبيل». كيف ظهر هذا الشاب على مكى فى سنه الصغيرة ليدير حوارات هامة مع كبار المفكرين وهو بعد على باب سن العشرين. لقد ولد عام 1973 وبدأ العمل الصحفى الحقيقى عام 1992 فى جريدة عكاظ، وكيف أثار مبكرًا دهشة رئيس التحرير هاشم عبده هاشم. الحوارات صحفيًا خبطات صحفية، لكنها أيضًا منجم ثقافى فكرى شديد الأهمية.

الحوارات مع خمس وعشرين شخصية فكرية وأدبية. فى حواره مع محمود درويش كان المثير أن قيل له إن محمود درويش طاووس مغرور لن يقابله وسيطلب أيضًا مقابلًا ماليًا للحوار. قابله فى ديسمبر عام 1997 فى بهو فندق رمسيس بالقاهرة فوجده على عكس ما قيل له تماما. ذكرنى أنا بلقائى الأول بمحمود درويش فى بهو نفس الفندق، ولم يكن يعرفنى أو قرأ لى، وكان ذلك عام 1984 وكيف كانت دهشته من رغبتى فى نشر رواية «الصياد واليمام» فى مجلة الكرمل. ما دار بيننا مما كتبته من قبل، وكيف أخذ نسخة الرواية ونشرها فى العدد التالى، وكان العدد الحادى عشر مما فتح لى أبواب العالم العربى كلها، وكيف كانت محبته لى بعد ذلك. الحوارات فى أغلبها مقسمة تحمل الأسئلة عناوين تلخصها. من الأسئلة الجميلة سؤال عن المكان بعد أن تنقل درويش بين البلاد وإجابة درويش المدهشة كشعره، أنه لا يزال المكان فى الجليل تمارس الطبيعة فيه عملها وعاداتها، وتنتج جمالياتها اللانهائية. أما عن سؤال هل صحيح الشعر يتراجع الآن؟، فإجابة درويش هى أنه لا يدخل فى هذا القلق من الحديث عن نمو الرواية، فهذا دليل صحة وعافية الثقافة، لأن هيمنة نوع واحد على المشهد الأدبى، يعنى أننا لازلنا بعيدين عن إيقاع العصر. هذا السؤال سيتردد أكثر من مرة فى أحاديثه مع الشعراء والأدباء.

أكثر من سؤال هام جدا حتى يسأل محمود درويش إنهم يقولون عنك طاووس كبير، فيسأله درويش هل وجدت هذا فى الآن؟. يقول على مكى: لا، فيقول له درويش إذن دافع عنى واكسر هذا الانطباع الخاطئ. مع أدونيس نكون مع رؤية أدونيس للعالم والعرب والشعر. معيار الحرية فى المجتمع هو القدرة على أن يقول الإنسان ما يريد فى كل القضايا الوجودية والمصيرية من دون أى عائق. دون ذلك يعيش كأنه شىء بين الأشياء، أو كأنه مجرد اسم أو مجرد آلة. من الجميل قوله أنه لا يحب الرواية السردية أو الحكائية، ففيها الزمن رخو والكتابة إعادة إنتاج، وطبعا يقصد أهمية البناء الفنى. كمال أبوديب فى حواره يؤكد أنه لا فارق بين الإبداع والنقد، فهو يرى النقد الحقيقى نشاطًا إبداعيًا، فالناقد يكسر أطر النقد المتوارثة كما يكسر المبدع أطر الإبداع. مع محمد عابد الجابرى يدافع عن نفسه أمام من اتهموه بسرقة روجيه دوبريه- الحديث عام 1977- وحديث عن الهوية ومعنى الوحدة العربية الضائع، وكيف صارت الوحدة فى أوروبا رغم تعدد اللغات والهويات. علينا أن نعترف بأن الدولة قائمة على نظام قُطرى، رغم وحدة اللغة بيننا، وما ينقص العرب الآن هو التنسيق العميق فى المجال الاقتصادى والسياسة الخارجية. مع هشام شرابى نكون فى الأسئلة الكبرى للبنيوية والتفكيكية والحداثة والنظام الأبوى الذى لا يفسح المجال للجيل الطالع. إميل حبيبى ونظرته للتراث ويبدى الأهمية الكبيرة للتراث الشعبى.

أزمة قبوله لجائزة إسرائيلية وأسئلة مثيرة عنها وعن نظرته المترددة، ودفاعه عن الجائزة بأنها اعتراف منهم هم الذين لا يعترفون بنا. مع الشاعر بلند الحيدرى، الذى يرى أننا أمام مواجهتين رئيسيتين. إما أن يتخاذل العرب فيعطون المجال لإسرائيل فى إقامة دولتها الكبرى التى ستعتمد تفتيت المنطقة إلى دويلات وطوائف، وهذا خطر كبير، وإما أن يرى العرب وحدتهم الحضارية التى ستضع إسرائيل فى الموقف الصحيح. مع محمد جابر الأنصارى وتجربته فى كتابة القصة والشعر، ثم التحول إلى الفكر وسؤال عن موت الأيديولوجيات، ولماذا وكيف أن هناك نوعا منها مات وانتهى. الآن القريب من حياة الأمم هى الأيديولوجيا القريبة من المعرفة والحقائق العلمية. وعن الثقافة فهناك تنوع ثقافى فى العالم العربى، لكن هناك ثقافات فرعية تحاول أن تكون هى المطلق، وهذه هى القضية. التسامح أصل الثقافات الحقيقى. ثم حديث مع صالح علمانى، المترجم العظيم الذى جاء اسمه من بلدته قرية «علما» فى الجليل الفلسطينى، فسبب له مشاكل. فهو علمانى لكن ليس بكافر. حديث رائع عن اختياره للترجمة وحكايته مع الروايات التى ترجمها. يأتى صبحى حديدى. كثير يجذب انتباهك عن قلة إصداراته رغم غزارة مقالاته وغير ذلك، لكنى من باب الإثارة أتحدث عن رأيه فى جائزة البوكر.. يقول إنها لم تفسد الذوق العربى، لكن أفسدت ذائقة قراءة الرواية، فالذوق العربى له علاقة بالفنون الأخرى أيضا مثل الشعر والموسيقى. وأن البوكر العالمية سحبت اسمها من الجائزة العربية وصار اسمها «الجائزة العالمية للرواية العربية»، وهذه أول مرة أعرف أنا ذلك، فكل عام وكل الأخبار عن البوكر العربية. أما ما جعل الجائزة الأصلية تسحب اسمها فهو النظام الداخلى للبوكر، الذى قد يكون من أردأ الأنظمة الداخلية فى التحكيم. النقطة الأخرى الجميلة أنه لم يوافق أن يفتح درج محمود درويش بعد وفاته، فكيف ينشر ما لم ينشره الكاتب فى حياته، وقد يكون مسودات غير مكتملة. هى نقطة إنسانية حقا، لكنها هامة جدا، فكثيرون يعلنون أنهم حصلوا على كنز حين يجدون نصا لم ينشره صاحبه، ويقولون إنه انفراد، بينما الأساس فى الحكم على ما كتبه الكاتب هو ما نشره. أما سمير عطا الله، الذى قدم للكتاب أيضا، فهو آخر حراس المقالة اليومية، ويحكى تاريخه مع ذلك ومع جريدة الشرق الأوسط، وكذلك مع جريدة النهار اللبنانية، وكيف بدأ بتأليف القصص باسم مستعار لكاتب أجنبى غير حقيقى فلا يعرفه أحد، يكشفه رئيس التحرير فى الأسبوع العربى، لكنه يطلب منه الاستمرار.. مع الشاعر شوقى بزيع بعد أسئلة كثيرة هامة كالعادة يأتى السؤال عن بيروت، هل يمكن أن تعود لما كانت عليه مرتعا للثقافة العربية؟. يقول شوقى بزيع إنها فى جوهرها أكثر من مدينة متحققة، وهى مشروع للمستقبل، واختيار دائم لقدرتنا على ممارسة الحرية وعلى التجديد والابتكار.

بيروت تظل حاجة عربية وضرورة قومية بما تستطيع أن تنجزه فى رهانها على الفرح. وكم صدق شوقى بزيع. ثم حديث مع الدكتور عبد الله السيد ولد أباه المفكر الموريتانى المعروف وحديث رائع عن أن شرعية الدولة من المنظور الدينى هو نقاش ملغوم يقوم على مسلمات زائفة، منها رؤية الدولة الوطنية التى تقوم على النموذج الأوروبى دولة معادية للدين، ومن ثم يجب أسلمتها بتطبيق الشريعة الإسلامية فى شتى مناحى الحياة، والحقيقة أنها دولة تسمح بالتعددية الدينية من خلال حياد الدولة نفسها. الدكتور عبد الله الغذامى، الناقد الكبير، يحكى عن كيف سرقه هم القراءة منذ الطفولة وعلاقته مع مدينة جدة رغم بعده عنها، وكيف صارت جزيرة الأحلام بالنسبة إليه. ثم حديث مع مشعل السديرى وكالعادة عن البدايات والعلاقة بين الرسم الذى يمارسه والألوان والسخرية فى كتاباته. حوار به من الردود الساخرة ما يمتع. حواران رائعان مع الأبنودى عن الشعر العامى وهدفه من الشعر ترى فيهما الأبنودى يتحدث أمامك. ثم يأتى حديث عاصف مع الكاتب حسن الهويمل المجادل للحداثيين دائما، والذى يرى فيهم قدحا فى السياسة الإسلامية، وأنه سيظل مواجها للحداثة أو ما جاء باسمها وموقفه من كثير من المفكرين السعوديين. يأتى الحديث مع سلمان العيسى، الشاعر السورى وتركى الحمد، الكاتب والمفكر السياسى، ثم المفكر المصرى سعد الدين إبراهيم، رئيس مركز ابن خلدون، وأزمته مع النظام المصرى واعتبار محاكمته محاكمة للمجتمع المدنى وتفاصيل تلك الأيام وأسرارها. ثم يأتى حديث الناقد السعودى عابد خازندار ومعاركه مع الآخرين ورأيه فى بعض الشعراء. ثم يختتم بحوارين، أحدهما مع الدكتور على بن تميم الأستاذ فى جامعة الإمارات والناقد وحديثه عن إنجازاته كالعادة وتأسيسه لموقع 24 الإخبارى الإلكترونى، وكيف أن الإنترنت الآن هو ساحة أساسية لمواجهة الإرهاب، وأهمية مواقع التواصل الاجتماعى، والحديث الرائع عن كيف ضللت الجماعات المتشددة بخطابها المتشدد الناس واختطفت الربيع العربى، ولماذا يلجأ الإسلاموى إلى أساليب خطابية تتناقض مع ما يؤمن به. ويختتم بحديث مع الدكتورة ابتهال الخطيب الأكاديمية فى جامعة الكويت القابضة على جمر أفكارها كما يصفها، وما تواجهه من هجوم، مثل رأيها بأهمية دخول الثقافة الجنسية للمدارس، وأن كثيرا مما تقوله لا تتصدر به المشهد، لكن يكون تأييدا لبعض الأفكار، وكيف أن العلمانية عدو للمتطرفين، لأنها تحد من تطرفهم وتجعله بلا قيمة، لأنها لا تعطى قيمة للأيديولوجية العنيفة التى يوظفونها. تنتهى مع الكتاب ومع رحلة رائعة لكوكبة من أهم المفكرين، وأسئلة رائعة كاشفة لا أستطيع أن أكتبها كلها.

ابراهيم عبدالمجيد – المصري اليوم

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى