محادثة تلفونية غريبة كان يجريها صديق لي مع فتاة من أسرته. كان سؤال المحادثة: (يا بت إنتي عَمّك ده مالك رافضاهو؟). لا أدري ماذا قالت الصبية المنكوبة؟ ولكن يخيّل إليّ أن إجابتها المنطقية ستكون: (ما دايراهو لأنو عمي)!.
حين صبَّ صديقي جام كلماته الغاضبة وتوعداته؛ سألته لماذا يريد أن يجني على الفتاة؟ فكانت إجابته لأنها تخالف برفضها الزواج. ومن هذا العم الذي يشكل التوجه النسائي العام؟ فالمزاج النسوي العام يتجه الآن لاختزال الأعمار، وينظر لفارق السن نظرة مختلفة، ويعتبرها علامة إيجابية لأنها تعني الخبرة والتراكم والمسؤولية واتساع ذات اليد.
هذه ظاهرة جديدة في السودان استوقفتني طويلاً منذ عودتي، فقد لاحظت أن الشَيب هو نوط الجدارة الأول، وهمزة الوصل الواعية بين رجالات منتصف العمر، وصبايا أول الطريق!
لا داعي للأصباغ، وتلوين الشوارب وإخفاء التجاعيد، وستر ما تهدل من أسفل الحلق. كن طبيعياً بفتح شعر الرأس حتى منتهاه كي يزيح الشيب سواد الشعر، وتعمش واطلق ذقنك واحرص على إبراز مفاتنك من فمك المكسور الأسنان، وابرز يدكَ المعروقة كي تظفر بعروسٍ في سن الاقتراع!
حكى صديق لي أن له صديقاً تناديه زوجته (بعم علي)، ويستجيب عم علي للنداء بكل الامتثال والعذوبة والإخلاص للتجربة!
البارحة زرت منزل صديقٍ لي فنادتني طفلته بـ(يا عمو)، تَرَكت هذه الكلمة في نفسي أثراً لائقاً بعذوبة هذا الطقس الذي يوفر الأعمام ولاحق بي أضواء العروس البهية و(ما زال الليل طفلاً). نقلتني كلمة (عمو) لعالمٍ آخر، ونبهتني إلى أنني الآن في تمام عافية التأهل من جديد للدفع بمسيرة الحياة وتجديدها من موقعي كـ(عم). كان كل شيء مكتملاً إلا الشقية (بت اخوي!).
في المساء كنا مجموعة من الأعمام نجلس جلسة تسامرية بمنزل أحد (المسنين). قمت بفتح هذا الموضوع الذي ظلّ يشغلني، ولاحظت أن (المسن) الذي هيأ لنا هذا المجلس يتحدث بهمس على الموبايل، ويتفوه ببعض الكلمات العاطفية. أدركتُ أن الأمر لا يتوقف في حدود الأعمام بل يتعداهم (للطاعنين)، وكان المسن ساعتئذٍ يتوغل في غزلٍ صريح. وفجأة ضحك ضحكة شديدة، وبدأ يسعل ويقول لمن كانت تحادثه: (الله يجازيكي!).
ثم اختفى بعد هذا السعال الشديد، ولاحظت أن أحد الأعمام دخل في ذات دور المسن بالحديث الهامس والضحكات الصغيرة المتقطعة، وكان يخلع نظارته، ويجفِّف عينيه بمناديل الورق، ثم يستأنف المحادثة بعنفوان شديد. وبدأت ضحكاته تتعالى، ومناديل الورق تتزايد حتى (كحّ كحةً) كادت أن تُلزمه دار الخلود، وفجأة اختفى هو أيضاً.
عاد المسن عوداً حميداً من مشواره الغامض وفي يده (كرت شحن) من فئة الخمسين. لبس نظارته، وبدأ يقرأ للصبيّة أرقاماً باللغة الإنجليزية التقطتُ منها (سفن دبل فور) ثم أغلق سماعة الموبايل، ورحب بنا من جديد. لكن الصبية اتصلت به من جديد لتخطره أن الأرقام مغلوطة، فاستعان بي لقراءة الأرقام فوجدت أن (سفن دبل فور) هي (واحد اتنين اتنين)، وتساءلت في سري: هذا المسن لا يستطيع أن يرى الأرقام، فكيف سيرى النور؟! وهنا عاد العم الذي أزوره قبل هنيهة وفي يده كرت شحن من فئة الـ25 وبدأ يحصي الأرقام لمحدثته وأغلق السماعة، فعاودت الاتصال وسمعت بأمّ أذني صوتها يقول له: (الرصيد ما نَزَل)، فاستعان بي فصوبت الأرقام دون نظارة حتى (نزل الرصيد)، ثم عدنا لمناقشة الموضوع وكان تعليقي أن هذه (قصة آخر اسكراتش!).
صحيفة الانتباهة

