محجوب مدني محجوب يكتب: كن واضحا أو غامضا أو حتى مستدرجا… ولكن إياك أن تكون كاذبا.

يختلف الناس إزاء تعاملهم، فكل فرد له سلوك مختلف إزاء الأحداث.
ولعل أفضل سلوك هو ما كان يسلكه رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وهو الوضوح فقد عرف عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يظهر عليه الحزن إذا حزن كما يظهر عليه الفرح إذا فرح ويظهر عليه الغضب إذا غضب كما يظهر عليه الرضا إذا رضي.
فإن كان هذا أفضل أنواع السلوك الإنساني إلا أن السلوك الإنساني ما كان ليقتصر على الأفضل فقط، فهناك السلوك الغامض الذي لا تظهر وتنكشف حاله على صاحبه، فإن غضب أو حزن أو فرح أو رضي فلن يظهر ذلك على وجهه، فيسمى هذا بالسلوك الغامض.
كما أن هناك سلوك أشد تعقيدا من الغامض ألا وهو سلوك الاستدراج بمعنى أن صاحب هذا السلوك يبتسم أمام من يسيء إليه مرة ومرتين وثلاث، فيتوهم من يتعامل معه خلال هذه المرات المتكررة بأن هذا الشخص لا يتأثر بالإساءة أو أنه لا كرامة له، وإن كان الرجل في حقيقة أمره يتمتع بإباء وعزة نفس على درجة عالية إلا أنه من طبعه لا يحب أن يظهر هذا الإباء.
ومع الاستدراج ليس فقط يخفيه بل يذهب إلى أبعد من ذلك حينما يظهر قبولا واستحسانا منه لمن يؤذيه ويؤلمه ولا يوضح له أنه يغلي بسبب ما بدر منه من سلوك.
خطورة الاستدراج أنه يجعل من يتعامل معه يتمادى ولا يكترث ولا يحترز في التعامل مع المستدرج؛ لأن أغلب الناس أو تسعة أعشارهم يتعاملون مع الغير حسب ما يرونه منهم من تفاعل، فإن أظهروا حزنا عرفوا بأن هؤلاء حزينون وإلا فسوف يحكمون عليهم مباشرة بما يظهر عليهم.
لا أحد ينتبه لقرائن وأحوال المستدرج من مثل إن كان حزينا وإن تظاهر بأنه طبيعي أمام الناس إلا أنه لا يقوم بإلقاء النكات مثلا وهو ضاحك كعادته.
لا يقوم بطلب الآخرين أن يواصلوا برنامجهم الفكاهي مثلا، وإن كان سمح لهم بأن يقوموا بالبرنامج حينما طلبوا منه ذلك.
التعامل مع المستدرج ليس سهلا ويتسم بكثير من التعقيدات، فهو قد يقبل بالشيء وهو له كاره، فإذا لم يدرك كرهه هذا فقد يؤدي إلى تمادي من الطرف الآخر، ولم يعلم أن لهذا المستدرج درجة صفر أول ما يصل إليها سوف ينفجر، وحينئذ لن تستطيع أي قوى أن تثنيه عن غضبه او حزنه أو فراقه لمن يتعامل معهم.
إن المستدرج لن يستطيع ان يغير حاله بأن يتحول إلى شخص غامض فقط يخفي ما بداخله، ولن يستطيع أن يغير حاله بأن يصبح واضحا حيث يكون باطنه وظاهره سيان وبالتالي ينبغي من يتعامل معه أن ينظر جيدا لقرائن وأحوال ترتبط بهذا المستدرج، فلا يمكن أن يجود شخص بخروف مثلا، ويبخل بدجاجة.
قطعا عدم تكرمه بالدجاجة ليس بخلا، فلا أحد يمكن أن يكون كريما اليوم وبخيلا غدا، فالكريم كريم وبالتالي امتنع هذا الشخص بالتكرم بالدجاحة لسبب.
كأن يريد أن يكتشف بهذا الامتناع سلوك الطرف الآخر، فإن قوبل بخله بامتعاض وبمعاملة سيئة حينئذ سوف يصل المستدرج إلى مراده، فهو بامتناعه عن الجود بالدجاجة يريد أن يكتشف هل هذا الشخص الذي منعه من الدجاجة يتعامل معه وفق مصلحة معينة.
أما إذا لم يتغير ذلك الشخص رغم منعه من الدجاجة، وصار يعامل المستدرج بذات التعامل قبل وبعد المنع، فحينئذ سوف يتوقف المستدرج عن سلوكه ويرجع إلى طبيعته الأساسية والأصيلة ألا وهي طبيعة الكرم.
السلوك الواضح مريح.
والغامض متعب.
أما السلوك المستدرج فصادم ومفاجئ.
إلا أن السلوك الخطير والسيء ولا يمكن معه من تبرير أو تكيف ولا يمكن أن تكون له أي ميزة من المزايا هو سلوك الكاذب.
فبإمكان الشخص أن يمارس سلوكا واضحا يظهر عليه الخوف كما تظهر عليه الشجاعة.
وبإمكان الشخص أيضا أن يقول أنه متأسف لكونه غير واضح ولكم كان يتمنى أن يكون كذلك، فهو لا يظهر على ملامحه السعادة كما لا يظهر عليه الحزن.
وبإمكانه أن يقول أنه إنسان مستدرج بكسر الراء بمعنى أنه يتعرف على الناس من خلال سلوكه معهم، فإذا قفل الباب في وجه زائر له مثلا، فهو يريد بذلك أن بتعرف على مدى تقييمه له، فإن قابل سلوكه هذا بالاندهاش والاستغراب وتركه وشأنه، فهذا يعني أن هذا الرجل دواخله اتجاهه سليمة.
أما إذا قابل قفل الباب في وجهه بإلقاء أرتال من السب والشتائم عليه وقال له: احمد ربك إني قدرتك وجئتك زائرا فأنت لا تستحق أي تقدير، فبهذا السلوك سوف يكتشف المستدرج شخصية من زاره.
فليقل المستدرج أن سلوكه يصعب فهمه، وقد تكون نتائجه وخيمة بعد ممارسته له، وقد لا يتلافى تصويبها، فكل هذا وارد وممكن حدوثه.
ولكن حذار وحذار أن يتصف سلوك الشخص بالكذب والخداع، فهذا ما لا مبرر أو ثمرة له، وسيظل صاحب الكذب في فشل وضياع ولو بعد حين.
صحيفة الانتباهة