تحقيقات وتقارير

الاستثمارات السعودية بالسودان .. ضوء في آخر النفق

دائماً ما يثير دعم المملكة العربية السعودية للسودان التساؤلات وينظر إليه البعض بعين الريبة، ويربطه البعض بأنه جاء مكافأة لإرسال الجنود السودانيين إلى اليمن ضمن تحالف تقوده السعودية ضد الحوثيين منذ مارس 2015م، ولكن مراقبون يعتبرون أن استثمارات الرياض بالخرطوم بمثابة اختراق لحالة الجمود والركود والعزلة الاقتصادية التي يعيشها السودان، وهي خطوة جريئة من المملكة في ظل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والامني.

وفي عهد المجلس العسكري الانتقالي رفض المحتجون امداد الرياض السودان بالمشتقات البترولية باعتبار أنه يساعد على بقاء العسكر في السلطة، وبالرغم من ذلك ظلت الرياض تلعب دوراً مهماً في الأزمة السودانية الحالية من خلال جهودها في اللجنة الرباعية ومحاولاتها لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين، حيث عُقد عدد من الاجتماعات بين الفرقاء السودانيين في منزل السفير السعودي في الخرطوم.

استثمارات ضخمة

ودور الرياض لم يتوقف على الدعم السياسي فقط للسودانيين، بل مواصلة لتلك الجهود أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن قيام صندوق الاستثمارات العامة بتأسيس خمس شركات إقليمية تستهدف الاستثمار في كل من الاردن والبحرين والسودان والعراق وسلطنة عمان، وذلك بعد إطلاق الشركة السعودية المصرية للاستثمار في شهر أغسطس الماضي، ومن المرتقب أن تبلغ قيمة الاستثمارات المستهدفة (90) مليار ريال سعودي (24 مليار دولار أمريكي) في الفرص الاستثمارية عبر مختلف القطاعات، وتم الإعلان خلال اليوم الثاني عن النسخة السادسة لمبادرة مستقبل الاستثمار المنعقدة في العاصمة السعودية الرياض، وذلك بحضور نخبة من المستثمرين والمبتكرين والقادة من أنحاء العالم، وستستثمر الشركات في عدة قطاعات استراتيجية من ضمنها، على سبيل المثال لا الحصر، البنية التحتية والتطوير العقاري والتعدين والرعاية الصحية والخدمات المالية والأغذية والزراعة والتصنيع والاتصالات والتقنية، وغيرها من القطاعات الاستراتيجية، وسيعمل تأسيس الشركات الخمس الجديدة على تنمية وتعزيز الشراكات الاستثمارية لصندوق الاستثمارات العامة وشركات محفظته، والقطاع الخاص السعودي لديه العديد من الفرص الاستثمارية في المنطقة، الأمر الذي سيُسهم في تحقيق عوائد جذابة على المدى الطويل، وتطوير أوجه تعاون الشراكات الاقتصادية الاستراتيجية مع القطاع الخاص في كل من الدول الآنف ذكرها، ويأتي الإعلان عن تأسيس الشركات الجديدة تماشياً مع استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة في البحث عن الفرص الاستثمارية الجديدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تدعم بناء شراكات اقتصادية استراتيجية على المدى الطويل لتحقيق العوائد المستدامة، الأمر الذي يُسهم في تعظيم أصول الصندوق وتنويع مصادر دخل المملكة، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030م.

خطوة في الاتجاه الصحيح

وترى المحللة السياسية اسمهان اسماعيل أن قيام صندوق الاستثمارات العامة في المملكة العربية السعودية بتضمين السودان كواحدة من الدول المستهدفة لاستثمارات سعودية بما لا يقل عن (90) مليار ريال سعودي خطوة في الاتجاه الصحيح، خاصة في ظروف السودان الحالية وما يعانيه من ضعف اقتصادي وعدم استقرار بعد قرارات البرهان التصحيحية المعروفة لدى قوى الحرية والتغيير بالانقلاب. فهذه القرارات اعادت السودان للعزلة الدولية والمقاطعة الاقتصادية، مما ادى الى تراجع الاقتصاد المتدهور اصلاً بسبب العقوبات الاقتصادية الشاملة المفروضة على السودان في فترة حكم الانقاذ، وقد كانت للمملكة أدوار ايجابية جداً في فترة العقوبات، ولم يتوقف دعمها الاقتصادي للسودان، وكذلك دعمها له في كل المحافل الدولية، وحتى في فترة حكومة قوى التغيير كانت للمملكة أيادٍ بيضاء على السودان داعمة لاستقراره، وحالياً هي عضو في المبادرة الرباعية لرأب صدع أزمة الحكم في السودان.

وذهبت أسمهان خلال حديثه الى ان الاستثمارات السعودية في السودان اختراق لحالة الجمود والركود والعزلة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، كما انها خطوة جريئة من المملكة في ظل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والامني التي كانت اسباباً طاردة للاستثمارات الأجنبية، ومع ذلك أبدت المملكة استعدادها للاستثمار في السودان الذي حتماً سيعود على الاقتصاد السوداني بالخير، وقد تفتح هذه الخطوة الباب امام الاستثمارات الخارجية في السودان، وقد تساعد على فك عزلة السودان الخارجية. وهذه الخطوة تشير الى متانة علاقة المملكة بالسودان وستقود لتوطيدها اكثر.
فلاش باك

يذكر أن حجم التبادل التجاري بين السودان والسعودية بلغ عام 2019 حوالى (8) مليارات دولار، ويتجاوز حجم الاستثمارات السعودية التي نفذت في السودان التي تعد الأولى عربياً (15) مليار دولار.

وطرح القطاع الاقتصادي في الحكومة السودانية خلال الملتقى التشاوري السوداني ــ السعودي (6) قطاعات رئيسة أمام الاستثمارات السعودية، تشمل الطاقة والكهرباء والتعدين والنقل والاتصالات والثروة السمكية والسكك الحديدية.

ويقول أستاذ الاقتصاد بجامعة الزعيم الأزهري د. أحمد محمد نورين إن قيام صندوق للاستثمارات العامة بمبادرة من ولي العهد السعودي الملك محمد بن سلمان لتأسيس خمس شركات إقليمية، بمثابة استراتيجية استثمارية ترفد اقتصاد المملكة بعائدات تعزز عائدات النفط والذهب وايرادات مواسم الحج والعمرة، وعلى صعيد آخر فإن الدول المستهدفة (الأردن والبحرين والسودان والعراق وسلطنة عمان)، سوف تستفيد من قيام هذه الشركات بالعديد من الفرص الاستثمارية ذات المردود الاقتصادي والاجتماعي، خاصة أن هذه الدول متقاربة جغرافياً وتربط بينها روابط دينية وثقافية وعلمية وغيرها، كما أن لكل دولة من هذه الدول مزايا نسبية تتمتع بها من موارد طبيعية واقتصادية واجتماعية وبشرية وسياحية وغيرها.

ان جملة مبالغ الاستثمارات حوالى (90) مليار ريال سعودي بما يعادل (24) مليار دولار أمريكي يمكن القول إنها مبالغ ضخمة إذا تم توظيفها التوظيف الأمثل في المجالات المحددة (قطاع البنيات التحتية والقطاع العقاري والقطاع المالي وقطاع التعدين والقطاع الصحي وغيرها)، فجميعها قطاعات حيوية تحتاجها تلك الدول لتنشيط اقتصادياتها بما يعود عليها من مردود اقتصادي ومالي في المدى القصير والمتوسط والطويل، حيث تنشط التجارة وتنساب حركة السلع والخدمات الاستهلاكية بتفعيل الطلب الكلي، وفي المقابل تنشط تلك الاستثمارات لتعمل على زيادة الإنتاج والإنتاجية والنمو الاقتصادي، إضافة إلى تشغيل القوى العاملة الوطنية خاصة الشباب من خريجي الكليات التقنية والعلوم الإدارية والاقتصادية وغيرها من تخصصات بجانب العمالة التقليدية، وهذا ما يحد من معدلات البطالة المتزايدة في تلك الدول، واما السودان فتربطه بالمملكة العربية السعودية العديد من الروابط والعلاقات الاقتصادية والاستثمارية والتقارب الجغرافي حيث يفصل بينهما البحر الأحمر ذلك الممر المائي الاستراتيجي لحركة السفن التجارية، وكذلك الشواطئ السياحية وما ينعم به البحر الأحمر من منتجات بحرية مختلفة من اللؤلؤ والمرجان والاصداف والحيوانات البحرية وغيرها، حيث تمثل جميعها فرص استثمارية في السودان، إضافة إلى الموارد الطبيعية والاقتصادية والبشرية التي تحتاج إلى استغلالها الاستغلال الأمثل ضمن المبالغ المرصودة من صندوق الاستثمارات العامة السعودي المخصصة للسودان ولم يتم تحديد سقفها المالي.

وعليه يمكن القول إن هذه المبادرة بمثابة سبق اقتصادي واستثماري لم يتوفر من قبل، ويمكن أن تكون له جوانب إنسانية لمواطني الدول المعنية خاصة السودان الدولة التي تعاني من معدلات فقر عالية وأزمة اقتصادية ماثلة.

تقرير : عماد النضيف

الانتباهة

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



ابراهيم احمد

يغطي القضايا الأمنية والعسكرية، ويتمتع بعلاقات واسعة مع مصادر الأخبار الأمنية.
زر الذهاب إلى الأعلى