آراء

محجوب مدني محجوب يكتب: التعليم الأجنبي بين استشراف المستقبل والمحافظة على الهوية

 

فخ واحد يقع فيه كلا الفريقين:

الأول: من يستشرف المستقبل بالنظر إلى تطور الأمم الأخرى يقع في فخ فقدان هويته أو إهمالها.

الآخر: من يسعى للمحافظة على هويته وتاريخه يجد ظهره مكشوفا أمام ضربات وطعنات تأخره مع تقدم الآخرين.

ما من أحد يرضى أن يزيل نفسه من الوجود.

ما من أحد يرضى أن يكون تائها وسط معتقدات وثقافات غريبة عنه.

كما قال المتنبئ واصفا حضارة الفرس وهو العربي السحنة والسلاح واللغة:

ولكن الفتى العربي فيها

غريب الوجه واليد واللسان.

في عالمنا اليوم الكل يريد أن يتطلع إلى علوم العصر.

الكل يريد أن يصبح رائدا فيها.

الكل يريد ان يتعرف إلى ما وصلت إليه الأمم من تقدم في جميع المجالات.

الكل يريد أن يلقي سهمه فيها بدون أدنى بعد أو تأخر.

فهؤلاء جميعهم ستواجههم عقبة واحدة، وهي أن تاريخهم وثقافتهم ولغتهم تمثل العقبة أمام العلم والتقدم.

إلا أن هذه العقبة غائبة لا وجود لها بالنسبة لعقيدتنا وثقافتنا ولغتنا كمسلمين.

فأمتنا أمة الإسلام هي أمة العلم وأمة اقرأ ومعجزاتها كلها تركز على الكتاب والسنة وفي لغتها الخالدة التي ليست فقط اللغة التي تحمل عقيدتها وثقافتها وتاريخها بل هي زيادة على ذلك تحمل معجزتها:

كلام الله.

القرآن الكريم.

المفارقة العجيبة والمشاهدة هي أن عقيدتنا تدعو للبحث وللعلم ولتقصي الحقائق ولإعمال العقل حتى في وجود الله، وبالتالي كل الأسباب تدعم تمسكنا بقيم موروثنا بكل تجلياته وإبداعاته.

منذ ان بدأ التعليم الحديث في السودان على رائد العلم الأستاذ بابكر بدري بمدينة رفاعة في العام ١٩٠٣م حينما أنشأ اول مدرسة خاصة لتعليم البنات، فينبغي منذ ذلك الحين أن نسير في خطين متوازيين: خط يدعم التعليم العام مع الخط الذي يدعم التعليم الديني.

ليس لأن هذا ضروري في حياتنا بل لأن هذا ما يأمرنا به ديننا ومعتقدنا.

نثبت في كل حين ولحظة ان ديننا دين العلم.

وأن امهات المؤمنين رضي الله عنهن أمرهن الله أن يتلون ويستوعبن آيات الله والحكمة من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ذات الوقت لا نشرخ هذه المعادلة؛ لأن هذه القيمة قيمة ربط العقيدة بروح العصر وعلومه لا بد منها إذ ان الإسلام هو الدين الوحيد الذي يربط بين العقيدة والعلم.

وأن قرآننا الكريم هو الكتاب المقدس الوحيد الذي يربط بين الدين والعلوم وبين اعتناق الدين ومكتسبات العصر .

وهذه النقطة هي التي تجعلنا نحن المسلمين الوحيدين الذين يستطيعون أن يقوموا بتثبيتها.

تثبيت ربط الدين بحاضر ومستقبل البشر روحيا وعلميا وذلك لسببين:

الأول: أن الذين نبغوا في العلوم البشرية وصاروا روادا فيها سواء إداريا أو علميا أو تقنيا او حتى سياسيا، فإن ربط الدين بتطور الأمم غائبة عنهم سواء قصدا أو جهلا.

فقصدا يحاربون بها ديننا.

وجهلا ليس في موروثهم الثقافي والديني علاقة بين العلم والدين إذ أن هذه العلاقة خص بها الله سبحانه وتعالى الإسلام فقط دون غيره من الأديان سواء من حيث حفظه من التحريف أو من حيث معجزته التي انحصرت في العلم فقط، فرسولنا الكريم لم يورث لأمته سوى العلم.

من أجل ذلك ينبغي أن نتبنى نحن المسلمون خطين متوازيين يسيران جنبا إلى جنب بحيث لا نجعل العلم الأجنبي بعيدا عن موروثنا العقدي والثقافي الذي لن يرفضه بل سينسجم معه؛ لأنه دين علم ودين حياة.

وكذلك لا ينبغي أن نبعد العلم الديني عن الحياة؛ لأن الله خلق واوجد لنا هذا الدين لنحيا به.
أما القول بأن يجعل كل مجال يبدع في مجاله، فهذه الحقيقة مردود عليها بسبب أن الإنسان واحد لا يتجزأ، فكما أنه يحتاج لعلوم الحياة، فهو كذلك يحتاج لعلوم الدين.

هذه المعادلة المسلمون فقط هم الجديرون والمؤهلون بحمل لوائها ولا أحد غيرهم، وذلك لطبيعة دينهم، فهو الدين الوحيد الذي يدعو إلى دين ودنيا معا بل تقوم الدنيا على أسسه وقواعده وحقائقه.

هذه الحقائق يسلم يها الجميع، ولا تكاد تخفى على أحد.

فلماذا التركيز عليها؟

جاء التركيز عليها؛ لأنه لا يمكن بحال من الأحوال أن توزع علومنا ولغاتنا في الحياة الدنيا إلى مرتبة أولى ومرتبة ثانية سواء على صعيد من يهتم بعلوم الدين أو على صعيد من يهتم بمجال علوم الدنيا.

أما القبول بكليهما معا على أساس أن كل فريق يتبحر في مجاله فهذا المنحى أيضا لا يستقيم مع تكوين الإنسان كفرد.

فهذا الفرد كما أنه يحتاج لشحنات دنيوية فهو نفسه كذلك يحتاج لشحنات دينية.

الفصل بين هاتين الشحنتين لا يتم إلا بسبب جهل أو غرض.

لا بد أن تضع كل مؤسسة تعليمية هذا المفهوم وهو أن متطلبات الحياة لا تسير برتبات أولى وثانية بل تسير في اتجاهات متوازية كلها تصب في تكوين هذا الإنسان.

يمكن للفرد أن تكون حصيلته العلمية ووفقا لتخصصه لتسعة أعشار مجهوده، فليتحقق له ذلك على أن يشغل العشر الأخير حصيلته الدينية ليس لأنه يمثل مرتبة ثانية بل لأنه يمثل اتجاها موازيا يسير جنبا إلى جنب مع تسعة أعشار مجهوده الآخر.

فإن كان البناء يحتاج لسقف وأبواب ونوافذ، فهذه كلها مهمة تقف جنبا إلى جنب مع الاحتياجات الأخرى من أثاثات وأدوات طبخ وغسيل.

فالكل يدرك أن من الأمور ما يسير جنبا إلى جنب ولا يستطيع بعضها أن ينجز عمل الآخر، ومنها من يسير وفقا للمرتبة الأولى او الثانية.

فمثلا البناء يحتاج لمرتبة ثانية من حيث الطلاء وتزيين البيت وغرس الأشجار وما إلى ذلك من الأمور التي من دونها يمكن أن يسكن.

فيما يتعلق بالتعليم سواء الأجنبي أو الديني لا ينبغي أن ينظر إليه وفقا لمرتبات وأهميات، وإنما ينبغي أن ينظر إليه وفقا لاحتياجات.

فلا يمكن ان يستغني عنها الفرد سواء كان اهتمامه بعلوم الدنيا يغلب على اهتمامه بعلوم الدين أو العكس.

تأتي أهمية هذا الحديث في كون الكثير مما نمارسه في حياتنا يحتاج إلى تصويب أكثر من كونه يحتاج إلى حذف أو إضافة.

 

 

 

 

صحيفة الانتباهة

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



فاطمة احمد

محررة تختص في تغطية الأخبار الإقليمية، تسعى لنقل التطورات المحلية بشكل موضوعي ودقيق.
زر الذهاب إلى الأعلى