آراء

محجوب مدني محجوب يكتب: الحق لا يتأثر بمحيطه، وإنما يؤثر

 

كثير من الدعاة والمصلحين يربطون دعوتهم بتهيئة المكان، وإظهار أهمية للموضع الذي يبثون فيه دعوتهم في حين أن المكان ليس له أي علاقة بالدعوة.

وبهذا المعنى فإن الحق ليس له أي علاقة بالسلطة فوجودها وعدمها سيان.

السلطة هي التي ينبغي أن تبحث الحق لتتسربل وتتمسك به حتى تكسب الخير، وحتى تكون قوية ثابتة لا تظلم ولا تقهر.

فالحق ليس في حوجة للسلطة على الإطلاق، فهو قادر على بث قيمه من أي مكان وفي أي زمان.

فها هو يوسف عليه السلام دعا للحق وهو في السجن، وليس مسجونا فقط بل مظلوم مما يعني أن الداعية المتمسك بدين الله لا يحتاج لمكان بعينه يدعو فيه إلى الحق كما أن نفسياته ومعنوياته وتعلقه بالله لا يستمدها من البشر، فهم سواء أكرموه أو أذلوه، فهذا لا يبعده عن الحق.

قطعا البشر ليسوا كالأنبياء في صبرهم وفي عزيمتهم وفي قوتهم تجاه عدوهم.

وإنما جاء التمثيل بهم هنا مثل ما جاء في القرآن الكريم من أجل عدم ربط الحق بمكان أو بحالة نفسية معينة، فالحق يستمد قوته من داخله، فصاحب الحق لا يحتاج ولا يفتقر لغيره من أجل أن يسنده ويقويه.

الكل في حوجة إليه كما ظهر ذلك من قصة يوسف عليه السلام سواء مع المظلوم أو الظالم أو الملك أو زوجة الملك أو حاشية الملك.

قد يتحقق ذلك لدى البشر بنسب متفاوتة تضعف وتقوى.

لكن لا يأتي أحد ليقول لا بد للحق من سلطان ولا بد للحق من حالة نفسية عالية يهيأ لها المكان حتى تقدم دعوتها.

هذا الكلام عار من الصحة تماما فالحق يؤتى إليه لا يأتي، والحق يمنح النصر لا يمنح له، والحق يزيل الأزمات لا يخلقها ولا يزيدها.

بمعنى أن الحق والدعوة إليه لا يحتاج إطلاقا لظرف معين حتى ينجز عمله، فهو مكتف بذاته تحت أي ظرف وتحت أي حالة.

من يتحجج بأن الظروف غير مواتية لنشر الحق، وأن الدعاة في حالة نفسية لا تسمح لهم بنشر الدعوة إلا إذا تغيرت الظروف

وتحسنت الأحوال.

فمن يقول ذلك لا يتحدث عن الحق، ولا يتحدث عن الدعوة إليه

يتحدث عن أمور أخرى بعيدة كل البعد عن الحق وأهله.

وبناء على هذه الحقائق، فمن يركض وراء السلطة لا يمثل الحق، ومن يركض وراء الدعة والراحة وكسب المال لا يمثل الحق.

هذا لا يعني بالطبع أن أهل الحق فقراء محكومين مذلولين، وإنما يعني أنهم فوق السلطة، وفوق المال وفوق الجاه هم من يسيرون هذه الأشياء التي عادة ما تلهي الناس.

هم من يتحكمون في إدارتها وتقييمها.

أما إذا حصل العكس فقطعا هؤلاء لا علاقة لهم بالحق.

فيوسف عليه السلام امتلك ذات المبادئ في كل أحواله الضعيفة والقوية والمتظلمة والمظلومة.

لم يتغير إطلاقا مما يعني أن الحق متبوع لا تابع مما يعني أن الحق يغير لا يتغير مما يعني أن الحق يؤثر لا يتأثر، فيوسف عليه السلام غير نظرة أصحابه في السجن فجعلهم موحدين، وغير نظرة زوجة الملك فجعلها تقول الحق، وغير نظرة الملك فبعد أن سجنه جعله حافظا وأمينا على ثروته، وغير نظرة إخوانه، فبعد أن كانت نظرة حسد وبغض وكراهية تحولت إلى نظرة حب وإخاء واعتراف بالفضل وقول للحق.

فيوسف عليه السلام هو يوسف نفسه لم يتنازل عن الحق في حالة ضعفه ولم يتجبر ويطغى في حالة نصره.

ولم ينتقم حينما سنحت له فرصة الانتقام بل عفا ونسب كل الشر للشيطان لا لأخوانه.

فمن يطلب الحق فسوف يقتفي أثر يوسف عليه السلام لكن استحالة أن يغير هذه الحقائق، ليجعل الحق تابعا بعد أن كان متبوعا ليجعل الحق مهزوما بعد أن كان ناصرا ليجعل الحق مستضعفا بعد أن كان قويا.

فالحق سيظل يعلو ولا يعلى عليه بغض النظر عن كل ظرف وعن كل حال.

 

 

 

 

 

صحيفة الانتباهة

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




زر الذهاب إلى الأعلى