تحقيقات وتقارير

مأساة طفل بحري “ماجد” تدق ناقوس خطورة عمالة الأطفال

لأكثر من (7) ساعات ظل الطفل ماجد مبارك ـ (10) سنوات، عالقاً داخل حاوية عربة النفايات التي يعمل بها، بعدما انزلق داخلها اثناء عملية كبس النفايات داخل الصندوق وعلقت يده في الحافة وانحشرت بين طبقات الحديد.

 

حادثة الطفل مبارك التي عاشتها مدينة بحري ابتداء من الحادية عشرة من مساء أمس الأول، “الاثنين” وانتهت فصولها عند الثامنة من صباح امس “الثلاثاء”، تضاف لكثير من الحوادث التي يتعرض لها الأطفال حول العالم، وكان آخرها حادثة الطفل المغربي (ريان)، الذي علق داخل بئر عمقه تجاوز الـ 32 متراً، قبل أن يلقى حتفه بعد أن قضى داخل البئر (5) ايام، حبس فيها أنفاس العالم ايضاً تعاطفاً معه.

 

تفاصيل مأساة ماجد

تقول تفاصيل قصة ماجد إنه يعمل ضمن عمال النفايات بمدينة بحري فهو يسهر الليل بينما اترابه في مخادعهم يحلمون بصباح جديد ليصحون ويجدون شوارع نظيفة “نوعا ما” لا يعلمون حتى أن من في سنهم يقومون بتنظيفها ليمنحهم اشراقة صباح تدخل في نفوسهم بعض السرور خلال ذهابهم للمدارس.. وحينها يكون ماجد يغط في نوم عميق بعد سهرة عمل متعبة.. امس الأول كان مختلفاً فبينما يقوم ماجد بعمله نزل داخل صندوق العربة وفي الاثناء شغل زميل له مكبس النفايات لينحشر داخل العربة وتعلق يده بين طيات الحديد الذي يغوص في معصمه ويقطع بعضاً من لحمه وتسيل دماؤه.. عندها تم ابلاغ الشرطة التي وصلت موقع الحادث عند الثانية عشرة وبدأت عملية الإنقاذ عبر أجهزة ومعدات حديثة ضمت أجهزة هيدروليك وقواطع وتعاملت قوة الإنقاذ البري مع الحادث عبر اطقمها المتخصصة حتى الثامنة صباحاً باحترافية ومهنية عالية وقامت بقص صندوق الشاحنة وتمكنت من انقاذه واسعافه إلى مستشفى الخرطوم بحري وهو على قيد الحياة وحالته مستقرة وقامت الشرطة باتخاذ جميع الاجراءات القانونية والفنية لمعرفة ملابسات الحادث وحفظ حقوق الطفل.

 

 

تجنيد الاطفال

وبالنظر لذاكرة الأيام فنجدها حافلة بالعديد من المآسي التي عاشها أطفال أبرياء وعايشها المجتمع حسرة، أبرزها عمالة الأطفال، والزج بهم في أتون الحروبات، عبر التجنيد، اضافة إلى التشرد وغيرها من مظاهر حرمان الأطفال من حقوقهم.

 

ووفق تقارير منذ مارس من العام 2016 وقعت حكومة السودان على خطة العمل المشتركة مع الأمم المتحدة الخاصة بحماية الاطفال في مناطق النزاعات المسلحة ، وقد اسفرت الجهود المشتركة وقتها عن رفع اسم السودان من قائمة الدول التي تجند الاطفال و ادراجه في قائمة الدول التي اتخذت اجراءات جادة لمنع تجنيد الأطفال.

 

عمالة الأطفال في السودان ..

وفق التقرير الوطني حول وضع الاطفال في السودان في العام 2018 الصادر من المجلس القومي لرعاية الطفولة الذي تحصلت (الحراك) عليه والذي يشير إلى المسح العنقودي متعدد المؤشرات للعام 2014 ، إلى ان 25% من الاطفال في السودان يشاركون في عمالة الاطفال ، اعلى منه الذكور للأناث (28% و 22%) ، وتوجد اختلافات في هذه المعدلات فعلى سبيل المثال ، 40% من الاطفال الاكثر غنى ، بالاضافة إلى ذلك نجد ان 30 % من الاطفال الذين يعيشون في المناطق الريفية و13% من الاطفال يعيشون في المناطق الحضرية ويشاركون في عمل الاطفال ، وتعد هذه احصائية عن عمالة الاطفال ولم تجرْ بعدها احصائيات .

 

حادثة معسكر كلمة

المتحدث باسم الطلاب النازحين “آدم رجال ” قال ان حادثة حدثت في معسكر كلمة سنتر “4” وكانوا يعملون في كمائن الطوب والحفرة (انهارت) وسقطت بهم الحادثة وقعت بتاريخ 7/ فبراير الحالي الساعة الخامسة مساء , وقال “آدم” انهم خلفوا حزنا كبيرا و عددهم 3 بنات وولد واحد , وحسب مصادر تحصلت عليها الحراك باسماء الطلاب الاطفال وهم مريم يعقوب عبدالشافع 16 سنة الصف الثامن ،و نسيبة اسماعيل أبكر محمد 13 عاما الصف الثاني ابتدائي ،و مناهل خميس اسماعيل رمضان 13 سنة الصف الثالث ابتدائي ، وحب الدين يعقوب جمعة 12 عاما الصف الرابع ابتدائي ، قال “آدم” في حديثه للحراك ان الحادثة التي حدثت ليست الاولى وانما سبقتها حادثة توفيت فيها سيدتان بنفس الطريقة وان الطلاب الذين لقوا حتفهم كانوا يعملون من اجل توفير رسوم المدارس وجزء من الطلاب ايتام ، واضاف ان هنالك صعوبة للعمل هنالك وتحديات كبيرة محتاجة معالجات عاجلة ، و لو رجعنا الى الوراء لنفس الحوادث نجد ان ما قبل عام 2009 كانت هنالك منظمات وطنية وعالمية تنفذ مشاريع لدعم المتضررين في تلك المناطق أما الوضع الآن فهو مزعج .

 

مخالفة للقوانين

ورأى فتح الرحمن أن عمالة الاطفال تشكل خطورة على الطفل نفسيا واجتماعيا بسبب العمل نفسه او بسبب الظروف التي تواجهه ، الطفل الذي يعمل مثلا في حمل الاثقال او عمل في التعدين وهي عمالة مرفوضة تحرمه من حقوقه الاساسية وتسبب له ضررا سواء أكان ذلك بنوع العمل او الظروف التي تؤدى فيه ، واكد ” فتح الرحمن ” في حديثه لـ(الحراك) ان السن المحددة لعمالة الاطفال هي 14 عاما حسب قانون الطفل 2010 ساري المفعول ، وان لاتزيد مدته عن 7 ساعات، وأن أسوأ اشكال عمالة الاطفال هي عملهم في المناجم والاماكن الشاهقة والمعامل الكيميائية والتجنيد والاستغلال في البغاء والمواد الاباحية ، وذكر ان احدث انواع العمالة المستحدثة العمل في مناطق التعدين بولايات السودان المختلفة يذهبون هناك ، مضيفا انها تؤثر على مسألة التحصيل الاكاديمي ، وان الاسر للاسف تنظر للعائد المادي فقط ، والعمل في تلك المناطق له مشاكله الصحية للاطفال عن طريق الزئبق والغبار، ومخالطتهم للكبار ، وانهم بدورهم اقاموا عدة ورش في ولاية نهر النيل لكنها لم تكن بالدور المطلوب ، ويجب رفع وعي الاسر في هذه المسألة ، ويجب ان تكون هنالك معالجات اقتصادية لهذه المسألة على سبيل المثال برنامج (ثمرات) الذي يدعم الاسر ويوفر نوعا من الدخل وديوان الزكاة الذي يعمل نوعا من الضمان الاجتماعي للاسر ويحتاج لدعم الدولة و الاعلام بصورة كبيرة.

 

أسباب اقتصادية …

اختصاصية علم الاجتماع والتربية “جميلة الجميعابي” قالت ان مفهوم عمالة الاطفال يعني العمل غير المناسب للأطفال في سنهم العمرية ولايتناسب مع نموهم النفسي و يضر في نفس الوقت صحة الاطفال ، ويمكن للأطفال ان يعملوا عملا لا يؤثر على ابدانهم او على ماسبق ذكره ، وعن اسبابها قالت ان اول مايخطر في اذهاننا عند تناول الموضوع هي المسألة الاقتصادية لأن الاطفال الذين يعملون يكونون في حاجة للمال ، وهنالك ظروف اقتصادية متغيرة وتحديات تواجه الأسر في كافة أنحاء البلاد ،قد تكون من أسباب هذه الظروف الاقتصادية فقد العائل من ناحية اجتماعية ، والأسر التي لا يعمل فيها الوالدان تدفع باطفالها لتوفير مطلوبات الحياة، وهذا سبب اقتصادي كبير ومن الممكن ان تكون الأسباب سياسية نتيجة لهروب او نزوح من منطقة حدثت فيها نزاعات وانتقال الأسر إلى مناطق اخرى مما أدى لصعوبة التعليم والتسيب المدرسي ، والظروف الاقتصادية تدفع لعمالة الاطفال ، ومعظم الاهل ليس لديهم ادراك للصعوبات والمخاطر النفسية التي تحدث للأطفال نتيجة عملهم من غير تفكير في الآثار النفسية السالبة ، وهنالك كثير من حالات الاطفال تصطدم بالظلم و عدم العدالة في بعض المجتمعات و أمر المساواة مهم في التعليم والمساواة في العيش الكريم وهي حقوق يتساوى فيها كل الناس و البشر بمختلف أوضاعهم الاقتصادية ولديهم الحق في العيش الكريم والتعليم والصحة ، ولابد من ان تكون هنالك مقترحات للمعالجة وحلول ودائما الحل القانوني يعتبر من أهم الحلول هنالك قانون الاطفال ٢٠١٠ فيه ثغرات ومواد مهمة وبعض المواد تحتاج إلى مزيد من المراجعة والتدقيق حتى تؤكد على ضرورة القضاء نهائيا على عمالة الاطفال.. القانون أشار لها لكن لابد من الكثير من هذه المواد والجوانب التي تعمل على ضرورة القضاء على كل اشكال عمالة الاطفال، ولابد ان يكون مع تعزيز قانون الاطفال التطبيق، وقانون الاطفال يعزز ويوفر الحماية الاجتماعية للأطفال، ومن أجل أن نقضي على عمالة الاطفال لابد من توفير مساواة في التعليم و تكافؤ الفرص التعليمية مطلب مهم جدا ، والتعليم حق للجميع واذا كان التعليم مجانا و متاحا لكل الاطفال فهذا بالتأكيد فيه اهتمام من الأسر لموضوع التعليم ومثلما قلنا في بداية الحديث ان الفقر هو السبب في عملهم لأنهم لايستطيعون الايفاء بالمتطلبات المالية في المدارس فالبتالي الأسرة لا تودع ولدها بالمدرسة. هنالك المنظمة العالمية لحقوق الطفل ومنظمة العمل الدولية تسعى جاهدة للقضاء على عمالة الاطفال في العام ٢٠٢٥ ونتمنى ان تتضافر الجهود وتتكاتف وان تعمل كل الجهات وكل المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان خاصة بالتركيز على حقوق الاطفال وأضافت: نتمنى قبل العام ٢٠٢٥ يكون هنالك قضاء كامل على عمالة الاطفال. ولا بد ان نذكر ان هنالك آثارا تترتب على عمالة الاطفال،و الطفل يكون ليس له ارتباطات اسرية و لايطور نفسه فبالتالي يكون افتقد للكثير من جوانب تنمية شخصيته ، وإذا ركزنا على مناطق النزاعات نجد استخدام الاطفال في التجنيد و هو أمر لابد أن نقضي عليه وآثاره كبيرة على الاطفال ، ويستخدمون في مجالات لا تتناسب مع عمر الاطفال فالبالتي يكون هنالك نزاع في هذه المناطق مما يؤدي الى نزاع وصراع نفسي ولابد من محاربة هذه الظواهر .

 

خطورة …

في هذا الاطار يقول البروفسيور علي بلدو استشاري الطب النفسي والعصبي ان الدولة السودانية هي اكبر مشغل للاطفال واكبر منتهك لحقوقهم ، وفيما يخص عمالة الاطفال من ناحية تشغيل اعداد كبيرة بصورة مباشرة بالمصانع وجلب النفايات وغيرها في جلب الرعاية الاقتصادية والاجتماعية لهم بما يدفعهم للجوء الى العمل وهم في سن مبكرة تحرمها القوانين واللوائح والشرائع والوجدان والذوق السليم ، ويرى “بلدو” ان عمالة الاطفال تؤدي الى انتهاك الطفولة والانتقاص من الانسانية الخاصة بهم بجانب تحطيم شخصياتهم وتعرضهم للعنف اللفظي والبدني والجنسي والاستغلال العاطفي بجانب الارهاب والترهيب والشعور بالخوف والقلق وعدم القدرة على التعامل مع المجتمع بصورة طبيعية وضياع سنوات طويلة من عمر الطفل تمثل تشوها نفسيا عميقا تكون له آثاره النفسية كالشعور بالخوف والقلق وعم القدرة على الاندماج في التعامل مع الآخرين ،بصورة طبيعية وضياع سنوات ، كذلك الولوج الى عالم المخدرات والجرائم المنظمة والتعرض لمخاطر في بلاد تنعدم بها الصحة المهنية والوظيفية ، وكذلك تعرض الطفل للخطر المباشر كما في حالة تجنيد الاطفال في اماكن النزاعات ، واشار الى أن الأمر يتطلب معالجات عاجلة كتفعيل اللوائح والقوانين الخاصة بهذا الأمر وتعظيم العقوبات وعمل مراكز انذار مبكر ومن ثم إيقاف هذه العمالة وارجاع الاطفال لواقعهم الطبيعي والانساني ويلي ذلك الدعم النفسي ، وانذر بلدو بواقع اكثر اسودادا والاطفال يتم انتهاك حقوقهم اكثر واكثر ويجذبهم سوق العمل في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية والفشل الحكومي البائن للعيان.

     تقرير: مريم حسن

صحيفة الحراك السياسي

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى